|
لمملكة العربية السعودية
من هم الإسلامويون؟
ملخص تنفيذي
تمر المملكة العربية السعودية بمرحلة حرجة سواءً في كفاحها ضد
الإرهاب أو في ترددها فيما يتعلق بالإصلاح، والإسلام هو في جوهر
هاتين المسألتين. إن نجاح أو فشل الإسلامويين المعتدلين في إيجاد
حلول للمشاكل السياسية والاجتماعية والدينية التي تعصف بالمملكة
سيحدد، على الأرجح، مثل أي شيء، المصير النهائي لخصومهم
المتطرفين().
مساء يوم 15 آذار 2004 قتلت قوات الأمن السعودية خالد الحاج،
القائد المزعوم لتنظيم القاعدة في السعودية ومنسق حملة العنف
التي بدأت في أيار 2002. وفي اليوم التالي ألقت الشرطة القبض على
أحد عشر مثقفاً من الإصلاحيين البارزين بمن فيهم عدد من
الإسلامويين الذين كانوا يحثون على إجراء إصلاحات سياسية
ويحاولون تأسيس منظمة مستقلة لحقوق الإنسان. تمثل هذه الأحداث
وجهين للإسلام في الحياة المعاصرة في السعودية: وجه عسكري عنيف
مكرس لزعزعة الاستقرار في المملكة ودفع مسانديها الأجانب إلى
الهرب، ووجه آخر تقدمي معتدل يدعو إلى تشجيع إصلاحات سياسية
واجتماعية ودينية. وفي حين أن الوجه الأول قد هيمن على معظم
العناوين الرئيسية فإن الوجه الثاني ينطوي على إمكانيات أكبر
لإعادة تشكيل المملكة.
في تقرير سابق حول كيفية مقاربة السعودية لموضوع الإصلاح خلصت
ICG
إلى الاستنتاج التالي:
إن المعلومات التي تم التوصل إليها في هذا الإيجاز والتي تبحث عن
جذور التجمعات الإسلامية المتنوعة في السعودية، والتي استندت إلى
عشرات من المقابلات تمت في المملكة بين آذار وأيار 2004، تدعم
بقوة الاستنتاج المشار إليه أعلاه.
طورت الإسلاموية السعودية عبر عقود عديدة، ورغم التأثير الوهابي
الشامل، طائفة متنوعة من الفئات تشمل وعاظاً متطرفين يُدينون ما
يعتبرونه انحرافاً للنظام عن مبادئ الإسلام وخضوعه للولايات
المتحدة، وإصلاحيون اجتماعيون مقتنعون بالحاجة لتحديث الممارسات
التعليمية والدينية ويتحدون الفئة الإسلامية المتزمتة التي تهيمن
على المملكة، وإصلاحيون سياسيون يعطون أولوية لقضايا مثل
المشاركة الشعبية وبناء المؤسسات وجعل النظام الملكي دستورياً
وإجراء انتخابات، والناشطون الجهاديون الذين تم تنظيم معظمهم في
أفغانستان والذين طوروا تدريجياً كفاحهم ذو النفوذ الغربي
–خصوصاً الأمريكي- في بلادهم.
بحلول أواخر التسعينات من القرن الماضي أصبحت الساحة الإسلامية
مٌستقطبة، بشكل متزايد، بين فئتين رئيسيتين: الفئة الأولى في
أوساط ما يسمى الإسلامويون الجدد، حيث سعى الإصلاحيون السياسيون
لتشكيل أوسع تحالف وسطي ممكن يغطي التوجهات الدينية والفكرية
ويشمل الإسلامويين التقدميين السنة والليبراليين والشيعة، وسعوا
مؤخراً إلى أن يشمل هذا التحالف أيضاً عناصر من مجموعة (الصحوة)
ذات الشعبية الواسعة والتوجه الأكثر محافظة والتي تتكون من شيوخ
وأكاديميين وطلاب دراسات إسلامية، والتي كانت قد برزت قبل عقد من
الزمن عندما شجبت عدم التزام الدولة بالقيم الإسلامية والفساد
الواسع الانتشار والتبعية للولايات المتحدة. قام الإسلامويون
الجدد بصياغة عريضة رفعوها إلى الأمير عبد الله، ولي العهد
والحاكم الفعلي للسعودية، تضمنت مطالب بتحرر سياسي اجتماعي. وقد
دفعت قدرتهم المدهشة على حشد طائفة متنوعة من الاتجاهات الحكومية
–التي كانت قد اتخذت موقفاً استرضائياً مبدئياً- إلى إرسال إشارة
واضحة لهم، من خلال الاعتقالات المذكورة أعلاه، بأن لتسامحها
حدوداً.
الفئة الثانية، الوجه الجهادي للإسلاموية السعودية، أظهرت نفسها
بشكل بارز جداً منذ أوائل عام 2003 عندما بدأت شبكة من المقاتلين
الإسلامويين المتمرسين تسمى "القاعدة في شبه الجزيرة العربية"
بحملة من العنف استهدفت المصالح الغربية، وخصوصاً مصالح الولايات
المتحدة. قوضت العمليات الإرهابية واسعة النطاق والعنف على
مستويات متدنية ضد الأفراد الغربيين الإحساس بالأمن الشخصي في
أوساط العمال المغتربين مما دفع بأعداد غير معروفة منهم إلى
مغادرة المملكة. خلال هذه العمليات أصبح المقاتلون وجهاً لوجه ضد
الحكومة وقواتها الأمنية. ورغم أن النتيجة النهائية لا زالت غير
واضحة فإن هناك مؤشرات قوية بأن الحكومة كسبت اليد العليا، فبغض
النظر عن الهجمات البارزة في أيار وحزيران 2004 فإن المقاتلين،
فيما يبدو، قد تكبدوا هزائم شديدة جعلتهم أضعف عمليا ومهمشين
سياسياً على حد سواء. النواة المقاتلة المتبقية ربما بقيت لها
فرصة جيدة في استغلال نقاط الضعف في قدرات أجهزة الأمن ومقاومة
الإرهاب السعودية، ولكنها لا زالت بعيدة عن أن تشكل نذيراً بتمرد
إسلامي واسع النطاق أو تهديداً لاستقرار نظام الحكم.
إلا أن النصر على "القاعدة في شبه الجزيرة العربية" لا يعني
هزيمة العنف الإسلاموي الذي يتغذى على الاستياء السياسي
والاجتماعي والاقتصادي الذي سبق نشوء تلك المجموعة والذي سيبقى،
دون شك، بعد اختفائها. إن التفاعلات التي تجري في الساحة
الإسلامية، والقوة المتنامية لتوجه "إصلاحي" تقدمي، والهوّة التي
تزداد اتساعاً بين الناشطين الذين يتبنون العنف والذين يتبنون
اللاعنف، كل ذلك يوفر فرصة هامة لمعالجة جذور السخط الأساسية
المبينة أدناه.
يتعين على نظام الحكم أن يقوم بما يلي تجنباً لعدم إضاعة تلك
الفرصة:
* بناء جسور بين التحالفات الوسطية مع السماح للإسلامويين
التقدميين بالتعبير عن آرائهم بصورة أكثر علانية بما في ذلك
استخدام المؤسسات الوطنية للإذاعة والتلفزيون.
* العمل فوراً على إطلاق سراح الإصلاحيين الذين تم اعتقالهم في
حملة شهر آذار 2004.
* مواصلة الحوارات الوطنية التي بدأت عام 2003 وتوسيعها لتشمل
عدداً كبر من الإصلاحيين الإسلامويين وبدء مناقشات جادة حول
انفتاح سياسي تدريجي يؤدي إلى ملكية دستورية، بما في ذلك توسيع
صلاحيات المجلس الاستشاري المعين (المجلس) ؛ و
* دمج بعض الخطوات السياسية مع جهد مستدام لمكافحة الفساد والفقر
والاستثناءات (خصوصا في المناطق البعيدة الأقل تطورا مثل عسير)
باعتبار ذلك أفضل ضمان ضد العنف ودعما لاستقرار طويل المدى.
عمان/ الرياض/ بروكسل، 21 أيلول 2004

دراسة في الإسلاموية السعودية()
أ. الوهابية
يشير تعبير "الوهابية" إلى الحركة التجديدية الدينية التي بدأت
في نجد (أواسط الجزيرة العربية) في أوائل القرن الثامن عشر على
يد محمد بن عبد الوهاب الذي شجب الانحرافات التي حاقت بالإسلام
عبر القرون وانحدار المجتمعات الإسلامية مجدداً إلى أحوال
الجاهلية التي سادت الجزيرة العربية قبل الإسلام، ودعا إلى
العودة إلى التوحيد (عبادة الله الواحد) والممارسات الأولى للسلف
الصالح().
وقال بأن العلاج يكمن في ترك الموروث القانوني والتفسيرات
اللاهوتية للإسلام التي تراكمت عبر القرون، والاعتماد بدلاً من
ذلك على القرآن والسنة وإجماع السلف الصالح. كان ذلك يعني،
عملياً، القضاء على جميع صيغ الإسلام الشائعة بين الناس، بما في
ذلك الصوفية، وتقديس الأولياء والتشييع وفرض التزامات متشددة على
المؤمنين().
وجد محمد بن عبد الوهاب، في سعيه لنشر الدعوة، حليفاً يدعى محمد
بن سعود وهو زعيم بلدة صغيرة تسمى الدرعية (قرب الرياض اليوم).
وقد شكل تحالفهما عام 1744 الأساس ليس فقط للدولة السعودية
الأولى()،
بل أيضاً لمؤسسة دينية محلية عُهد إليها بمهمة تطوير ونشر آراء
محمد بن عبد الوهاب. بعد عقود من الحكم الذاتي النسبي تراجعت
المؤسسة الدينية إلى منزلة ثانوية، وأصبحت مهمتها اليوم، في غالب
الأحيان، المصادقة العمياء على القرارات الرسمية وإصدار الأحكام
الدينية لإضفاء شرعية على مواقف النظام الرسمية().
من الأمثلة على ذلك الفتاوى التي تسمح بوجود قوات أجنبية (عام
1990)()،
والسلام مع إسرائيل (1993)()،
والتي أفقدت المؤسسة كثيراً من مصداقيتها لدرجة أن كثيراً من
السعوديين ينظرون إليها الآن باعتبارها مجرد امتداد لنظام الحكم.
مع ذلك، فهي لا زالت توفر شرعية لا غنى عنها لحكم آل سعود وتعمل
كحارسة للمذهب الوهابي الرسمي في البلد.
يمتد نفوذ الوهابية لمدى أبعد بكثير من الدور الرسمي للمؤسسة
الدينية، فمنذ تأسيس الدولة صاغت الوهابية ثقافتها الدينية
والتعليم والقضاء().
نتيجة لذلك فقد كان لها –بدرجة أو بأخرى- تأثير على جميع
الاتجاهات الإسلامية السُنّية في المملكة.
ب. الأصول المتعددة للإسلاموية السعودية
1. الجماعة الإصلاحية: الصحوة الإسلامية
يشير تعبير (الصحوة الإسلامية) إلى تفاعل النشاط الديني والحماس
الذي هيمن على الجماعات السعودية في سبعينات وثمانينات القرن
الماضي ولكن جذورها تمتد إلى أعماق أبعد من ذلك. فمنذ الستينات
وما تلاها توسعت اتصالات السعودية مع العالم الخارجي مما أتاح
لمواطنيها إمكانيات التحاور السياسي الأوسع في زمن ساد فيه
التطرف الإقليمي والتسييس. إضافة لذلك فقد وفر النظام السعودي
ملاذاً لعدد كبير من الإخوان المسلمين من مصر وسوريا الذين كانت
تلاحقهم الأنظمة الناصرية والبعثية في بلدانهم. كانت الاعتبارات
العملية لذلك أحد الأسباب: فالسعودية كانت بحاجة ماسة لمهنيين
مدربين في عهد من التحديث السريع الذي دفعت إليه الوفرة النفطية.
أصبح الإخوان المسلمون يلعبون دوراً رئيسياً في الإدارة الجديدة
والموسعة خصوصاً في مجال التعليم حيث قاموا بإعداد المناهج في
المدارس والجامعات وشكلوا الجزء الأكبر من الهيئات التدريسية
فيها.
السياسات الإقليمية كانت سبباً آخر: فقد استخدمت الرياض النسخة
المسيسة للإسلام التي يتبناها الإخوان المسلمون كسلاح في نزاعها
العقائدي – السياسي مع جيرانها الناصريين والبعثيين. وطبقاً
لإسلاموي سعودي كان طالباً في تلك الأيام فإن "معظم الكتب
الموجودة في المكتبات في السبعينات من القرن الماضي كانت من
تأليف أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين"().
مع ذلك فإن بعض المثقفين السعوديين يميلون لتضخيم دور الإخوان
المصريين والسوريين في المملكة في تسييس الإسلام السعودي()،
والذي نتج أيضاً عن نشاطات إقليمية أوسع.
من ناحية عقائدية تبنى شباب الصحوة الإسلامية مزيجاً من وجهات
النظر الوهابية التقليدية (حول القضايا الاجتماعية بصورة رئيسية)
والتوجهات الأحدث للإخوان المسلمين (خصوصاً حول القضايا
السياسية). وهم يميزون أنفسهم عن المؤسسة الوهابية بإبداء
استعدادهم لبحث قضايا معاصرة جوهرية بدلاً من التركيز على النقاش
العقائدي المجرد. كما أنهم، خلافاً لنظرائهم في المؤسسة الرسمية،
كانوا منفتحين على التكنولوجيا الحديثة مثل أجهزة التسجيل التي
أصبحت بسرعة وسيلتهم الرئيسية الاتصال.
كان الاستيلاء على الحرم النبوي في مكة عام 1979 من قبل الناشط
المتحمس جهيمان العتيبي –والذي كان سببه إلى حد كبير السخط على
الفساد الأخلاقي المعروف عن العائلة المالكة- نقطة التحول في
تطور الصحوة. فقد عمد النظام إلى تعزيز المؤسسة الدينية وإنفاق
مزيد من الأموال على المؤسسات الدينية كوسيلة.
ودعم شرعيتها بدلاً من انتهاز هذه الفرصة للبدء في تغيير سياسي
واجتماعي طال أمد الحاجة إليه. أدى ذلك بشكل غير مقصود إلى تقوية
جماعة الصحوة والتي استخدمت وجودها القوي في القطاع التعليمي
للاستفادة من الإمكانات المالية المتزايدة.
أخذ رجال الدين من جماعة الصحوة يشاركون بشكل متزايد في
المناظرات العامة واتخذوا مواقف معارضة لكل من الليبراليين،
باعتبارهم متهمين بتقويض المجتمع السعودي من خلال العلمانية()،
والمؤسسة الوهابية، التي انتقدوا عدم اهتمامها بالقضايا المعاصرة
وتأييدها غير المشروط لنظام الحكم، مع أن النقطة الأخيرة تم
التعبير عنها بشكل مبهم. في التسعينات تطورت مواقف رجال الدين
فأخذوا يشجبون عدم التزام الدولة بالقيم الإسلامية وتفشي الفساد
والتبعية للولايات المتحدة، وفي نفس الوقت أدانوا رجال الدين
التابعين للسلطة لصمتهم إزاء الأمور المشار إليها أعلاه. أكثر
وعاظ الصحوة شهرة والذين برزوا في أواخر الثمانينات هم سلمان
العودة، وصفر الحوالي، وعايض القرني، وناصر العمر.
إلا أننا إذا نحينا النقاط المشتركة البارزة بين وعاظ الصحوة
فإنهم لم يستطيعوا تشكيل جبهة موحدة. كانوا، منذ البداية، يمثلون
تيارات مستترة متنوعة بعضها أقرب إلى الوهابية وأخرى إلى الإخوان
المسلمين، مع تفرع الموالين للأخيرة إلى ما يسمى "أتباع البنّا"
و"أتباع قُطب"().
اليوم أصبحت
هذه الانقسامات ظاهرة في المواقف المتضارب من قضايا مثل العلاقات
مع الليبراليين الإصلاحيين أو الشيعة أو الصوفية، والمواقف من
تنظيم القاعدة والإسلامويون الآخرون الذين يتبنون العنف().
2. الإسلامويون الرافضون
كان الإسلامويون الرافضون (الذين يشار إليهم أحياناً بالسلفيين
الجدد) في الغالب إما مهملين من قبل المحللين أو يتم الخلط بينهم
وبين جماعة الصحوة. إلا أنهم، خلافاً لإصلاحيي الصحوة، كانوا
يؤكدون على الإيمان الفردي، والأخلاق، والممارسات العبادية بدلاً
من القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية الأوسع نطاقاً. كما
كانوا معادين لمفهوم الوطن – الدولة ولا يسعون لإدخال تعديلات
عليه بل الانفصال عنه، غالباً بعدم التعامل معه، ولكن أحياناً من
خلال التمرد عليه. وفي حين كان الإصلاحيون يهيمنون على المدارس
والجامعات فقد تجنب الرافضون التعليم الرسمي برمته وسعوا إلى نشر
التعاليم الدينية في أماكن أخرى.
بيد أن من الخطأ اعتبار أن الرافضين يشكلون حركة متجانسة
اجتماعياً وسياسياً. الواقع أنه كان هناك تنوع في أوساطهم من حيث
أسلوب العمل والهيكل التنظيمي أكثر بكثير مما لدى جماعة الصحوة.
لقد تمثلت الجماعات الإسلاموية الرافضة في السعودية بأشكال
متنوعة منها تنظيمات مثل تلك التي كان يقودها جهيمان العتيبي
والتي سيطرت على الحرم النبوي في مكة عام 1979، وجماعات هامشية
متطرفة انسحبت عادة من المجتمع وتبنت طريقة حياة متحفظة ومتزمتة
للغاية، وأوساط فكرية دينية غير رسمية رفضت كلاً من وهابية
المساجد وتعاليم الصحوة المنطلقة من المدارس والجامعات على
السواء.
كانت أبرز الحركات الرافضة وأكثرها تنظيميا هي (الجماعة السلفية
المحتسبة) والتي نشأت في المدينة في أواسط سبعينات القرن الماضي.
كانت تستمد بعض تعاليمها من آراء المفكر السوري ناصر الدين
الألباني (1909-1999) وترفض جميع المذاهب الفقهية، بما فيها
الوهابية، التي تتضمن قدراً من الاجتهاد الإنساني، وتلتزم بدلاً
من ذلك بحرفية الحديث النبوي باعتباره المصدر الوحيد للحقيقة
الدينية().
كان الخلاف مع المؤسسة الوهابية يدور مبدئياً حول مسائل تتعلق
بالعبادات، إلا أن الجماعة السلفية المحتسبة تحولت بمرور الزمن
إلى حركة احتجاج سياسية اجتماعية ناضجة ولكن المراقبين استهانوا
كثيراً بمدى أهميتها.
يتضح هذا جزئياً من كارثة انتفاضة عام 1979 التي استولى فيها
فصيل متطرف من الجماعة السلفية المحتسبة بقيادة جهيمان العتيبي
على الحرم المكي. وقد تم قتل أو سجن العتيبي وأصحابه مما حدا
بالبعض إلى مقارنة الجماعة السلفية المحتسبة بمجموعة عابرة عديمة
الأهمية نسبياً وهامشية من المسيحيين المتطرفين. الواقع أن
الجماعة السلفية المحتسبة، ورغم اختفائها كمنظمة بعد حادث مكة،
فإن معظم أفكارها الأساسية، وخصوصاً تلك المتعلقة بنقد الفساد
الاجتماعي والانحدار الأخلاقي، والتي وردت في كتابات العتيبي، قد
بقيت بعد رحيله().
لقد أساء الناس غالباً فهم أهمية الاستيلاء على المسجد الحرام،
ففي حين أن بعض أتباع جهيمان كانوا مقتنعين بأن رفيقه محمد
القحطاني كان هو المهدي المنتظر (ما يعادل المسيح من وجهة نظر
إسلامية) وأن عملية مكة ستكون نهاية العالم، إلا أن آخرين شاركوا
في العملية للتعجيل في إحداث تغييرات سياسية واجتماعية متطرفة().
لجأت بقايا الجماعة السلفية المحتسبة في ثمانينات القرن الماضي
إلى الكويت واليمن والمناطق الصحراوية في شمال السعودية().
بعد عقد من تلك الأيام كان لا يزال بالإمكان العثور على مجموعات
من الشباب الإسلامويين يطلقون على أنفسهم "طلبة العلم" ويعتبرون
أنفسهم ورثة مباشرين للجماعة السلفية المحتسبة، يبحثون عن بقايا
أصحاب جهيمان بين بدو الصحراء. هجر هؤلاء المساجد والجامعات
وشكلوا جماعات تدريس علوم إسلامية في بيوتهم().
ورغم أنهم كانوا يعيشون عادة في الرياض، في شقق مشتركة غالباً،
إلا أنهم عملياً كانوا قد انسحبوا من مجتمع اعتبروه خاطئاً ومن
جميع المؤسسات المتفرعة عنه. كانوا يعتبرون الدولة فاقدة
للشرعية، والصحوة همها السياسة، والجهاديون جاهلين للشؤون
الدينية.
3. الجهاديون
يمكن تتبع نشوء الحركة الجهادية إلى مشاركة آلاف من السعوديين –
بتشجيع نشط وتسهيلات من نظام الحكم آنذاك- في الحرب الأفغانية ضد
الاتحاد السوفيتي. إضافة للمساعدة اللوجستية والمالية التي كان
النظام يوفرها للمجاهدين المحتملين – مثلاً تذاكر سفر مدعومة إلى
الباكستان- فقد أعلن النظام رسمياً بأن القتال في أفغانستان (فرض
كفاية) على المسلمين().
كانت المشاركة رمزية بالنسبة لمعظم المشاركين –من المراهقين عادة
- فلم تكن الرحلة تتجاوز العطلة الصيفية إلا في حالات نادرة
والعديد منهم لم يغادروا الباكستان أبداً إلى أفغانستان. على أن
التجربة بالنسبة للذين بقوا أحدثت تحولاً عميقاً في نفوسهم حيث
أصبحت جزءاً من الثقافة الرومانسية للمقاومة العنيفة التي ازدهرت
في أوساط المجموعات العربية المشاركة في الحرب الجهادية
الأفغانية.
ترتب على ذلك نتيجتان: الأولى، أن هؤلاء المقاتلين طوروا نظرة
إلى العالم تتسم بالميل الشديد للعنف والقتال. والثانية أنهم
تذوقوا طعم صحوتهم السياسية الأولية خارج بلدهم. جاء الجهاديون
السعوديون إلى أفغانستان بأفكار سياسية متواضعة وأجندة محلية أو
أسس عقائدية بسيطة فيما يتعلق بمعارضة نظام الحكم السعودي. كان
خطابهم ونشاطهم يكاد يتشكل ويتوجه كلياً بتأثير الساحة الدولية.
تبعاً لذلك، لم يكن لديهم سوى اتصال محدود مع نُظرائهم
الإصلاحيين والرافضين. على النقيض من ذلك، كان المقاتلون
الإسلاميون في بلدان أخرى مثل مصر مسيّسين في الداخل، مما جعلهم
يطورون برنامجاً سياسياً يركز على الشؤون المحلية، مع أنهم
قاتلوا فيما بعد في أفغانستان().
وخلافاً أيضاً لنظرائهم في مصر وسوريا وبلدان أخرى –حيث كانت
المشاركة في الحرب في أفغانستان تعني حرق جميع الجسور مع
أوطانهم- فقد كان الجهاديون السعوديون أحراراً تماماً في السفر
خارج بلادهم والعودة إليها في سنوات التسعينات().
تبعاً لذلك فقد احتفظوا بقاعدة محلية، وكانوا في وضع يتيح لهم
التأثير على الشباب السعودي لدى عودتهم. لقد لعبت حرية سفر وعودة
الجهاديين السعوديين دوراً هاماً في سنوات التسعينات وسنوات
العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
مع انتهاء الحرب في أفغانستان ضد الاتحاد السوفيتي كانت ثقافةٌ
جهادية دولية قد تفشت في أوساط إسلامية سعودية عديدة، ولكن
الشباب السعوديين استمروا في السفر خارج بلدهم بحثاً عن تدريب
عسكري وخبرة قتالية طيلة سنوات التسعينات، خصوصاً بعد أن أسست
القاعدة بنية تحتية لمعسكر تدريب في أفغانستان في أواسط
التسعينات().
من الصعب الحكم على دوافع أولئك الذين التحقوا بهذه المعسكرات،
رغم أنهم لم يكونوا مدفوعين، فيما يبدو، بمشروع سياسي خاص أو
معتقدات دينية معينة().
الأصدقاء والمعارف السابقون يصفون المجاهدين، حين يعودون
بذكرياتهم إلى تلك الأيام، بأنهم أفراد "نافذو الصبر" لا
"يستطيعون الجلوس لقراءة كتاب" أو "أحداثٌ جانحون أو هاربون من
المدارس تجذبهم فكرة حمل مسدس"().
الإصلاحيون والرافضون على السواء يبذلون كل ما في وسعهم لبيان
اختلافهم عن أولئك الذين يشيرون إليهم "بالجهاديين"().
مع ذلك، وكما سنوضح فيما بعد، فقد حدثت حالات انجذاب لرافضين نحو
أوساط الجهاديين ونشاطاتهم وبوتيرة متزايدة منذ أوائل التسعينات
وما بعدها.
4. الإسلامويون الشيعة
يقدر عدد الشيعة في السعودية، رغم عدم توفر إحصاءات دقيقة،
بحوالي 10% من مجموع السكان، حيث يتركزون في المنطقة الشرقية
التي توجد فيها أيضاً معظم موارد النفط. وقد شكى الشيعة، منذ دمج
المنطقة في الدولة السعودية، من عدم السماح لهم بممارسة طقوسهم
الدينية بحرية ومن أنهم يعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية.
بدأت المنظمات الإسلاموية الشيعية بالبروز في المنطقة الشرقية
خلال سنوات السبعينات ولكن العملية تسارعت مع قيام الثورة
الإيرانية عام 1979. وبدافع من غضبهم على وضعهم السياسي
والاجتماعي وحماس أوحته تلك الثورة، قام آلاف من الشيعة
بالاحتفال بذكرى عاشوراء()،
رغم الحظر الرسمي. ردت الحكومة على ذلك بقوة مما أدى إلى مواجهات
عنيفة وثورة سحقتها قوات الحرس الوطني بقسوة().
لم يبق في السعودية سوى قليل من الناشطين الشيعة، والذين بقوا
أخرسهم النظام. معظمهم فروا إلى سوريا وإيران وبريطانيا
والولايات المتحدة، وبحلول أواخر الثمانينات كان العديد منهم قد
اعتدلوا في آرائهم ونأوا بأنفسهم عن الأجندات التي تنهج خط
الخميني وأخذوا ينادون بمبادئ الديمقراطية والتعددية السياسية().
وفي عام 1993 توصلت الحكومة إلى اتفاقية مع الناشطين المنفيين
عاد على أثرها الكثير منهم()،
وقد توخوا، حتى عهد قريب، البقاء نسبياً في الظل.
ج. تأثيرات حرب الخليج (1990-1996)
كانت حرب الخليج الأولى (1990-1991) أهم الحوادث على الإطلاق في
تاريخ الإسلاموية السعودية والعامل الذي يساعد في تفسير سياسات
محلية لاحقة. لقد ردت الرياض على غزو العراق للكويت في آب 1990
بدعوة قوة متعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة للتمركز في
أراضيها، وهو قرار أدى إلى زعزعة التوازن الداخلي الهش أصلاً في
المملكة ودفع إلى مزيد من التسييس والتطرف لجماعة الصحوة. لم يعد
وعاظ الإصلاحيين يقصرون انتقاداتهم على المثقفين الليبراليين أو
المؤسسة الوهابية بل بدأوا بالاستهداف المباشر للدولة ومؤسساتها.
قام الواعظان في جماعة الصحوة سلمان العودة وصفر الحولي بإلقاء
خطب حماسية تنتقد الدولة لسماحها لجيش من الكفار بدخول الأرض
السعودية. تصاعدت إثر ذلك شعبية هذين الواعظين وأخذت أعداد هائلة
من أشرطتهما بالانتشار في سائر أنحاء البلاد()،
وفي تحد علني للنظام استغلا السخط الشعبي وحظيا بمصداقية شعبية
تفوق بكثير تلك التي يتمتع بها رجال الدين التابعين للنظام.
أصبحت الجامعات –التي كانت معاقل لجماعة الصحوة منذ البداية-
أرضاً خصبة لتجنيد المعارضين السياسيين. كان المثقفون يتجمعون في
مجموعات صغيرة ينظمها الأساتذة الإسلامويون لبحث شؤون الوطن()،
وفي آذار 1991 قام عدد منهم بصياغة "مذكرة مطالب" وقعها، في
نهاية المطاف، ما يزيد على 400 من المثقفين الدينيين –بينهم
أفراد من المؤسسة الرسمية وجميع الوعاظ الإصلاحيين البارزين-
وأرسلوها إلى الملك فهد. وفي أيلول 1997 أعد 107 من المفكرين
الدينيين "مذكرة نصيحة" مماثلة. أعد الإسلامويون مجموعتين من
المطالب: الأولى حول سيادة القانون والمشاركة السياسية واحترام
حقوق الإنسان (طبقاً لمفهوم الشريعة)، والمجموعة الثانية تختص
بتعزيز رقابة المؤسسات الدينية على الدولة والمجتمع.
أدى قرار الإسلامويين عام 1993 بتأسيس "لجنة الدفاع عن الحقوق
المشروعة" إلى إجراءات صارمة من الدولة بلغت أوجها عام 1994
باعتقال الحولي والعودة. وأدى رد فعل أتباعهم –مظاهرة صاخبة في
مدينة بريدة()،
التي ينتسب لها العودة- إلى موجة أخرى من الاعتقالات. تم سجن
معظم أعضاء لجنة الدفاع عن الحقوق المشروعة في حين فر اثنان منهم
وهما محمد المسعري وسعد الفقيه إلى لندن حيث أسسا فرعاً للحركة
في المنفى.
أثرت عملية التسييس هذه على الساحة الإسلاموية ككل وخصوصاً
الرافضون الذين كانوا قد تجنبوا إلى حد كبير التدخل في السياسة
في سنوات الثمانينات().
إلا أن أزمة الخليج جلبت السياسة المحلية والدولية إلى عقر دارهم
فأصبح من الصعب جداً عليهم الالتزام بعزلتهم والموقف السياسي
الذي فرضوه على أنفسهم().
أثار قمع الحكومة لجماعة الصحوة نقاشاً سياسياً في أوساطهم(),
تركز، طبقاً لعضو سابق في حلقة بحثية رافضية في الرياض، على ما
إذا كانت نواحٍ معينة من سلوك الدولة تسوغ تكفيرها. بعد أن رفعت
جماعة الصحوة "مذكرة النصيحة" عام 1992 تركز النقاش على ما إذا
كانت العائلة الحاكمة كافرة أم لا().
وقد امتد السؤال عام 1994 –بعد بريدة- إلى القضية الخلافية حول
ما إذا كان المفكرون الدينيون التابعون للدولة قد تصرفوا بطريقة
غير إسلامية. الأعضاء الأشد تطرفاً في الحلقة البحثية، والذين
قرروا بأن أولئك المفكرين تصرفوا فعلاً بسلوك غير إسلامي،
انفصلوا عن جماعتهم الرافضية وانضموا إلى صفوف الجهاديين في
أوائل عام 1995().
وكان من بين الذين ساعدوا في تسييس بعض الرافضين عصام البرقاوي
(المعروف أيضاً باسم أبو عصام المقدسي) وهو عقائدي إسلامي متطرف
من أصل أردني()،
كان يتخذ من بيشاور في باكستان قاعدة له ويقيم علاقات مع بقايا
حركة جهيمان ويزور المملكة العربية السعودية بصورة منتظمة().
كان الجهاديون – خصوصاً قائدهم بلا منازع منذ الثمانينات أسامة
بن لادن- قد تأثروا بشدة بحرب الخليج. في البداية كان بن لادن،
عقائدياً، يؤمن في أعماق نفسه بجماعة الصحوة الذين كان الحولي هو
الذي يصوغ وجهات نظرهم().
ولكن غزو الكويت - ورفض الحكومة السعودية لاقتراحه بدعوة
المجاهدين للدفاع عن البلد ضد العراق- ثم بشكل خاص، نشر القوات
الأمريكية، كل ذلك شكل صدمة ثلاثية ودعوة للتنبه. ومع تصاعد نقده
للنظام السعودي وتحالفه مع الولايات المتحدة فقد هاجر للسودان
عام 1991 وفي عام 1994 أسقطت عنه جنسيته السعودية. كان بن لادن
يسلك اتجاهات بعيدة للغاية عن توجهاته الأولية في جماعة الصحوة،
وأصبح يرى في الولايات المتحدة العائق الرئيسي في إحداث تغيير
سياسي في المنطقة، بل وتهديداً عسكرياً مباشرا للأمة الإسلامية.
لم يعد يكتفي بنقد أنظمة الحكم، وفي أواسط التسعينات توصل إلى
استنتاج مفاده أن هناك حاجة لقيام مواجهة عالمية مباشرة ضد
الولايات المتحدة().
باختصار، أطلقت حرب الخليج عملية اصبح فيها الجهاديون أكثر نقداً
للنظام السعودي واكثر علانية في العداء المفتوح للولايات
المتحدة.
ظهرت الإشارات الأكثر إثارة للعنف الإسلاموي في أواسط التسعينات
عند وقوع هجمات على أهداف أمريكية، ففي 13 تشرين ثاني 1995
انفجرت سيارة مفخخة في منشأة للحرس الوطني السعودي في قلب مدينة
الرياض نتج عنها مقتل خمسة أمريكيين وهنديان وإصابة 60 آخرين
بجروح. وفي 22 نيسان 1996ظهر أربعة من المشتبه بهم على التلفزيون
واعترفوا بمسؤوليتهم عن الهجوم حيث تم إعدامهم بعد شهر من ذلك.
كان ثلاثة منهم من الجهاديين الذين كانت لديهم خبرة قتالية في
أفغانستان والبوسنة، أما الرابع فقد كان رافضياً سابقاً تحول
ليصبح جهادياً بعد أن ترك حلقة دراسية رافضية في أواخر عام 1994().
لم يدع أحد منهم بأنه كان عضواً في مجموعة أو منظمة معينة ولكنهم
قالوا بأنهم تاثروا بأبو محمد المقدسي وأبو محمد المصري وبن
لادن. لا يوجد حتى الآن دليل مؤكد على تورط بن لادن في ذلك
الهجوم، ويبدو أن الافتراض الواسع النطاق بأن القاعدة كان لها
ضلع في الموضوع كان يقوم أساساً على حقيقة أن بن لادن كان قد
أشاد، في مقالات لاحقة، بأولئك المقاتلين.
كانت تفجيرات حزيران 1996 في المعسكرات الأمريكية في الخبر والتي
قتل فيها 19 أمريكياً وأصيب ما لا يزيد على 400 شخصاً من جنسيات
مختلفة، محاطة بغموض أكبر. فرغم أن السلطات السعودية ادعت بأنها
قد أصدرت أحكاماً بحق عدة أفراد لهم علاقة بتلك التفجيرات إلا أن
هوية مرتكبيها لم تُعرف أبداً، وهناك جدل كثير حول ما إذا كانت
قد تمت من قبل أفراد ينتمون للقاعدة أم من قبل مجموعات شيعية
برعاية إيران.
إلا أنه ليس هناك سوى القليل من الشك في أن كلا الحادثين شكلا
علامات بارزة في منحى التطرف الذي اتخذه السخط الإسلاموي منذ
بداياته في حرب الخليج عام 1991().
د. السجن والمنفى (1996-1999)
كسبت السلطات السعودية معركتها ضد الصحوة باستخدامها استراتيجية
مزدوجة المسارات تقوم على القمع والتفرقة. في أواسط عام 1995 كان
جميع القادة الأشد تأثيراً في جماعة الصحوة قد سُجنوا أو أرغموا
على المغادرة إلى المنفى في بريطانيا. احتفظت "المعارضة المستقرة
في لندن" ببعض النفوذ في توجيه السياسات وقامت بتوزيع المنشورات
والكتب من خلال شبكة سرية، إلا أنها عانت، بمرور الوقت، من
خصومات داخلية ومن بعدها عن المملكة، وفي عام 1996 انشق أبو محمد
المصري عن الفقيه وأسس "حركة الإصلاح الإسلامي في المملكة
العربية السعودية". من الصعب تقييم نفوذ تلك المعارضة اليوم في
حين أن مدى تواجدهم داخل البلد مسألة تثير الخلاف().
أياً كان الأمر، فإن السلطات السعودية قد اتهمت المعارضة
السعودية التي تتخذ من لندن قاعدة لها بأن لها صلة بالحملة
الإرهابية الحالية، وطلبت من الحكومة البريطانية مراراً تسليم
كلا القائدين لها.
سعى نظام الحكم السعودي في أوائل التسعينات لشق صفوف جماعة
الصحوة عن طريق تشجيع حركة (المدخليه) نسبة للشيخ ربيع المدخلي،
حيث تعكس وجهات نظر هذه الحركة مبادئ المؤسسة الوهابية المتمثلة
في الإطاعة التامة للسلطات الدينية والسياسية وإدانة فقهاء جماعة
الصحوة المسيَّسين وذوي البدع. إلا أن (المدخليين) استعاروا
أساليب جماعة الصحوة فأخذ تابعوهم يستخدمون أشرطة التسجيل وعقد
المؤتمرات، ثم المواقع الإلكترونية على الشبكة فيما بعد، لنشر
أفكارهم وبذلك قاوموا خصومهم بفعالية أكثر من المؤسسة الدينية.
وقيل بأن (المدخليين) كانوا بحلول عام 1994 قد حولوا عدداً من
جماعة الصحوة السابقين إلى صفوفهم بما في ذلك في معقلهم القوي
بُريده().
رد الرافضيون بطريقة مختلفة على إجراءات السلطة. البعض انسحبوا
كلياً، مرة أخرى، من النشاطات السياسية وعادوا لتركيزهم الأصلي
على المحافظة الاجتماعية والتزمت الديني. الرافضيون الأبرز
والأكثر تسييساً عمدوا غالباً، عند إطلاق سراحهم، إما للالتحاق
بالجهاديين في أفغانستان أو أصبحوا لاعبين أساسيين في الحركات
الإسلامية الليبرالية الأكثر اعتدالاً التي نشأت في أواخر
التسعينات. أخيراً فإن العديد من الجهاديين، مع احتفاظهم بشبكة
للتجنيد وجمع التبرعات في السعودية()،
قد اختاروا النفي الاختياري في أفغانستان التي كان بن لادن قد
عاد إليها عام 1996 لإنشاء معسكرات تدريب، ولم يعودوا إلى
السعودية إلا في أعقاب سقوط نظام طالبان في تشرين ثاني 2001.
هـ. إعادة تشكيل الساحة الإسلاموية (1999 - )
في إطار توجه تحرري – وإن كان متواضعاً - لنظام الحكم، تم في
أواخر التسعينات إطلاق سراح معظم السجناء الإسلامويين إصلاحيين
كانوا أو رافضيين بما في ذلك كلاً من الحوالي والعودة عام 1999.
وقد تم تخفيف القيود على الإعلام والسماح بإدخال الإنترنت وعادت
المناقشات السياسية العلنية التي كان قد تم حظرها في أواسط
التسعينات إلى الظهور بشكل تدريجي. تزامنت هذه التطورات مع إعادة
تشكيل الساحة الإسلاموية.
أخذ عدة رافضيين (مثل منصور النقيدان ومشاري الزيدي) وإصلاحيين
(بمن فيهم عبد العزيز القاسم وعبد الله الحامد) يناقشون علناً
وينتقدون أفكارهم القديمة مع اقتراح تفسيرات أكثر تحرراً للنصوص
المقدسة في إطار عملية (مراجعة). ورغم بروز اختلافات جوهرية فقد
شكلوا توجهاً "إسلاموياً جديداً".
أخذ كل من العودة والقرني والحوالي، وجميعهم من القادة السابقين
في جماعة الصحوة، بالتقليل من انتقاداتهم للحكومة وأخذ النظام
ينظر إليهم بطريقة أكثر تسامحاً. الواقع أنه في الوقت الذي فقدت
فيه المؤسسة الدينية الرسمية الكثير من مصداقيتها فقد لقي تعاون
جماعة الصحوة تقديراً كبيراً من حكام في أمس الحاجة لشرعية
دينية.
برز توجه إسلاموي متطرف جديد – يشار إليه غالباً بالسلفي الجهادي()
- على يد مفكرين سابقين في جماعة الصحوة مثل ناصر الفهد، حمود
الشعيبي، وعلي الخضير، الذين يتخذون من بريده مقراً لهم بصورة
أساسية ولكنهم اجتذبوا أتباعاً من الشباب الجهاديين والرافضين،
وحظي كبيرُ مُنتظريهم، الفهد، بشهرة واسعة.
عارض السلفيون الجهاديون تحول قادة جماعة الصحوة إلى الاعتدال،
ووسموا العديد من القادة الليبراليين السعوديين بالكفر، ودعوا
إلى الجهاد ضد "اليهود والصليبيين"، ومدحوا وبرروا هجمات 11
أيلول، وأيدوا استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد (الكفار). وقد سعى
النظام لإسكاتهم خلال الفترة بين 2002-2003 عندما أخذت
انتقاداتهم تتحول ضده بشكل محدد.
وقعت أحداث 11 أيلول عندما كانت هذه التطورات قد قطعت شوطاً لا
بأس به ولكن أحداث 11 أيلول زادت في تسارعها وكثافتها. وجد كل
توجه سبباً إضافياً للاستمرار في النهج الذي يسير عليه:
"الإسلامويون الجدد" توصلوا إلى استنتاج مفاده بأن قراء أكثر
"استنارة" وتقدمية للنصوص المقدسة أصبحت أكثر ضرورة من أي وقت
آخر، وواصل قادة جماعة الصحوة السابقين تصميمهم على التوسط بين
نظام الحكم والإسلامويين المتطرفين، أما وعاظ السلفيين الجهاديين
فقد رأوا في هجمات 11 أيلول وما تلاها مبرراً أكبر للغة تتوخى
العنف ضد الغرب ولهجمات متجددة، عندما يحين الوقت، ضد أهداف
غربية في المملكة العربية السعودية.
2. الإسلاموية والإصلاح
أ. الإسلامويون الجدد
كان الإسلامويون الجدد –الذين يسمون أيضاً بالإسلامويين
الليبراليين- يعملون منذ أواخر التسعينات بنشاط متزايد سياسياً
وإعلامياً على السواء. ويمكن بشكل عام تقسيمهم إلى فئتين:
1. الإصلاحيون الاجتماعيون
الإصلاحيون الاجتماعيون، في غالبيتهم، هم رافضيون سابقون تحولوا
إلى النقد الحاد للتقاليد الاجتماعية والدينية المحافظة. وقد
استطاعوا بمرور الزمن الوصول إلى صحف محلية نافذة مثل (الوطن)
و(الرياض). ولمع اسم أكثرهم شهرة وهو منصور النقيدان في الولايات
المتحدة بمقال ظهر له في شهر تشرين ثاني 2003 في (نيويورك تايمز)
جعله ملاحقاً من القضاء السعودي بسبب آرائه "المضادة للإسلام".
وهو يرى أن الوهابية قد كانت حاضنة لتطرف ديني خطير وأنها مسؤولة
بشكل مباشر عن ثقافة القمع وعدم التسامح التي عمت المملكة
العربية السعودية().
وتتجاوز اتهاماته المؤسسة الرسمية لتشمل نظيراتها غير الرسمية
مثل جماعة الصحوة التي يتهمها بتشجيع فهم مغلق ومتزمت للإسلام
بدلاً من التفسير العصري والأكثر انفتاحاً الذي اقترحه
الإصلاحيون الإسلامويون في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن
العشرين.
في أيار 2003، وبعد أيام قليلة فقط من الهجمات في الرياض، نشر
خالد الغنامي -وهو إصلاحي اجتماعي آخر ذو ماضٍ إسلاموي- مقالاً
يشجب فيه الإيماءات الدينية للفكر الجهادي وموجهاً النقد بشكل
خاص لابن تيمية، وهو مصدر رئيسي للفكر الوهابي().
وأصبح مشاري الزيدي، فيما يقال، أبرز الإصلاحيين الاجتماعيين
–وأكثرهم استفزازاً- متخذاً لنفسه مواقع مثيرة للجدل في عموده
الأسبوعي في جريدة الشرق الأوسط.
التركيز على التغيير الاجتماعي بدلاً من السياسي أمر حيوي
بالنسبة لهؤلاء المعلقين، وحجتهم في ذلك أن الإصلاح السياسي في
غياب اعتدال ديني واجتماعي ستكون له عواقب وخيمة. ويقول
النقيدان، الذي يعارض انتخابات وطنية مبكرة، موضحاً: "السعودية
غير ناضجة ثقافياً لتجربة كهذه. الانتخابات اليوم سيكون من شأنها
فقط تعزيز الوهابية والقبلية"().
ويقول مشاري الزبيدي حول نفس الفكرة موضحاً:
لا أرى في المشاركة السياسية خطوة أولى، وهذا هو السبب في أني
لست متحمساً للانتخابات... لقد حصل نوع من الانفتاح السياسي ولكن
مجتمعنا لا يزال يفكر على أساس قبلي وديني. لم يتطور الوعي
السياسي للمجتمع بعد إلى الدرجة التي ينتخب فيها أكفأ المرشحين().
في الوقت الذي حظيت فيه آراء الإصلاحيين الاجتماعيين بتغطية
واسعة في الغرب فإن تأثيرها داخل السعودية أقل يقيناً بكثير. ليس
من شك في أن اختراق الحظر على النقد الموجه للوهابية كان خطوة
هامة، إلا أن مقابلات متعددة توحي أن هذه الآراء لا تتمتع بتأثير
اجتماعي ذي شأن، ربما باستثناء تأثيرها في أوساط النخبة المثقفة.
حتى في أوساط كهذه فإن كون هؤلاء الكتّاب شباباً (معظمهم في
الثلاثينات) ومستواهم التعليمي البسيط نسبياً يضع حداً
لمصداقيتهم، وهناك عدد غير قليل من مواطنيهم كبار السن يساورهم
الشك في أنهم إنما يبحثون فقط عن شهرة سريعة في الغرب، مقلدين ما
تتلهف الولايات المتحدة بشكل خاص لسماعه().
وُجهت تهم كهذه ضد مشاري الزبيدي عندما بدا أنه يدعم القانون
الفرنسي الذي لقي استياءً واسعاً بسبب حظره للرموز الدينية
البارزة (والذي يمنع تبعاً لذلك النساء المسلمات من ارتداء غطاء
للرأس) في المدارس الرسمية().
ورغم أن الإصلاحيين الاجتماعيين يواصلون الالتزام بالعقيدة
الإسلامية وأنهم كانوا دائماً يهاجمون الوهابية انطلاقاً من وجهة
نظر إسلامية – فقد اصبح من الصعب بشكل متزايد إقناع الرأي العام
بذلك واصبح الكثير من هؤلاء الإصلاحيين يعتبرون الآن خونة في نظر
الغالبية العظمى من الإسلامويين السعوديين().
بل إن الشخصيات الإسلامية الأكثر اعتدالاً التي كانت لها صلات
وثيقة بهم ذات يوم مثل القاسم أخذت تميل الآن لعدم الثقة بهم().
مع إحساسهم بالعزلة المتزايدة، أخذ الإصلاحيون الاجتماعيون
يبحثون عن صلات مع مفكرين أكثر تحرراً مثل تركي الحمد الذي طور
منذ عدة سنوات نقده العلماني الخاص به للنظام الاجتماعي السائد
ولكن ذلك أدى فقط إلى تعميق الشكوك الإسلاموية().
كانت العلاقات مع نظام الحكم مشوبة بالغموض منذ البداية. ورغم أن
الإنترنت وفرت للإصلاحيين درجة من الاستقلال فإنهم يعتمدون على
وسائل الإعلام للفت الانتباه إليهم وبذلك يبقون إلى حد كبير تحت
رحمة الصحافة التي تسيطر عليها الحكومة. ثمة منطق في الموقف
المعتدل نسبياً للنظام: بوسع الإصلاحيين الاجتماعيين أن يكونوا
ناقدين مؤثرين لوجهة النظر الجهادية التي كانوا قد احتضنوها ذات
يوم؛ بوسعهم إيجاد توازن مع نفوذ المؤسسة الوهابية (أو على الأقل
استخدامهم تكتيكياً لمنع المؤسسة الدينية من تحدي النظام)؛ كما
أنهم يعتبرون أقل خطراً من أولئك المفتونين بإجراء تغيير سياسي().
(الواقع إن أكثر أفراد العائلة المالكة تعاطفاً مع الإصلاح –بما
في ذلك ولي العهد ووزير الخارجة- يعتبرون، حسبما يقال، أن
انفتاحاً سياسياً سريعاً هو بمثابة "انتحار وطني"().
رغم ذلك فهناك خطوط حمراء تجلب، في حالة تجاوزها، عقوبات فورية:
منصور النقيدان، مثلاً، مُنع من الكتابة ثلاث مرات بعد أن نشر
مقالات اعتُبرت استفزازية().
2. الإصلاحيون السياسيون
كان معظم الإصلاحيين السياسيين يتبعون أساساً لجماعة الصحوة، مع
أن هناك عديدين منهم كانوا من الرافضيين. كان كلاً من عبد الله
الحمد وعبد العزيز القاسم من الشخصيات البارزة في حركة الاستياء
الإسلامية منذ التسعينات، وبعد إطلاق سراحهم من السجن، المرة
الأولى عام 1995 والثانية عام 1997 أخذوا يطورون نظرية إسلامية
أكثر تقدمية تقوم على أساس المجتمع المدني والمشاركة الشعبية
والديمقراطية – وجميعها بالطبع ضمن سياق الشريعة الإسلامية().
وفي سعيهم للتوفيق بين السيادة والشعبية واحترام الشريعة فقد
حثوا أيضاً على إدخال إصلاحات دينية لتخفيف بعض المتطلبات
الشرعية الوهابية الأكثر تشدداً وإفساح المجال للتفسير عندما
يكون النص غامضاً (اجتهاد). كما أنهم أيدوا الإصلاح الاجتماعي،
ولكن مع بقايا محافظة قوية، خصوصاً فيما يتعلق بقضايا المرأة().
شكل هؤلاء المصلحون السياسيون الإسلامويون، بالاشتراك مع
ليبرالييين مثل محمد سعيد الطيب ومتروك الفالح إضافة لشيعيين مثل
جعفر الشايب، تحالفاً وسطياً متنوعاً عام 2002. برزت هذه الشبكة
الفضفاضة من الإسلامويين التقدميين السنة والليبراليين والشيعة
على رأس لوبي العريضة المرفوعة للسلطة()،
منطلقين من الدعوة إلى تحول سياسي تدريجي في إطار الإسلام والحكم
الملكي. وصفت وثيقة شهر كانون ثاني 2003 رزمة من الإصلاحات تشمل
إقامة ملكية دستورية وحكم القانون وبرلمان منتخب ومجتمع مدني
مؤثر، واحترام لحقوق الإنسان وإنهاء التمييز وخصوصاً ضد الشيعة().
حافظ معدو العريضة على توازن دقيق محددين مطالبهم بعناية وفي
سياق ديني بدءاً من إشارات متكررة لنصوص مقدسة إلى ضرورة التزام
الإصلاحات بالشريعة الإسلامية.
كان هذا التحالف مع الإسلامويين التقدميين اساسياً في نظر بعض
الليبراليين:
إنه يمكننا من الخروج من حالة الجمود التي وجدنا أنفسنا فيها
دائماً، ويوفر لنا المؤهلات الإسلاموية التي كنا نفتقر إليها.
إضافة لذلك، فما المشكلة في أن نعمل معاً؟ إننا جميعاً، في نهاية
المطاف، مسلمون وطنيون.().
ليس الجميع متفقين في ذلك. هنالك أقلية تخشى من أن يتظاهر
الإصلاحيون السياسيون بالالتزام بالأفكار الليبرالية بينما يبقون
في الواقع ملتزمين بنموذج الدولة الإسلامية().
على النقيض من ذلك، فبعض الإسلامويين –خصوصاً الأعضاء الأكثر
تطرفاً في جماعة الصحوة- يعتقدون بأنهم "يوفرون شرعية دينية
لمشروع غير إسلامي"().
حدثت تحولات في العلاقة مع النظام، ففي كانون ثاني 2003 التقى
الأمير عبد الله ولي العهد مع موقعي العريضة كإشارة لتقبله
لوجهات نظرهم حول الاعتدال السياسي. كما كانت خطوات أخرى –مثل
عقد اجتماع حوار وطني وإعلان إجراء انتخابات محلية- دلالة على
انتهاج أساليب كثر انفتاحاً().
إلا أن موقعي العريضة، وقد أحبطتهم الوتيرة البطيئة للتغيير،
أخذوا يتشددون في مطالبهم، وفي كانون أول 2003 رفعوا وثيقة
يطلبون فيها إجراء عملية لصياغة دستور والعمل به خلال ثلاث
سنوات. كان هذا الطلب الأكثر تطرفا،ً إضافة للخوف من قيام تحالف
بين الوسطيين وجماعة الصحوة وتصاعد أعمال العنف دافعاً للنظام
للرد بشكل أكثر شدة()،
فقد استدعى وزير الداخلية المعروف بالتشدد الأمير نايف بن عبد
العزيز الموقعين على العريضة إلى مكتبه واتهمهم بأنهم غير وطنيين
وهددهم بالسجن، وقال أحد المشاركين موضحاً:
كنت مقتنعاً في الساعات التي تلت عودتي للبيت أن الشرطة كانت في
طريقها لاعتقالي. لم يكن بوسع أي شخص شاهد الغضب في وجه الأمير
نايف أن لا يعتقد بغير ذلك().
بثت النشاطات المتجددة للوسطيين الإصلاحيين في آذار 2004 –خصوصاً
الخطط المتعلقة بتأسيس منظمة حقوق إنسان مستقلة- الخوف في قلب
النظام من أن ذلك كان يعني اتخاذ الخطوات الأولية نحو تأسيس حزب
سياسي().
تم اعتقال حوالي اثني عشر شخصاً بمن فيهم ثلاثة من اشد الناشطين
الإسلامويين في التحالف وهم عبد الله الحامد وتوفيق القصيري
وسليمان الرشودي().
ب. الصحوة والإصلاح
1. الاعتدال والتعاون
خفف معظم قادة جماعة الصحوة السابقين من التشدد في آرائهم، كما
أسلفنا، بعد إطلاق سراحهم من السجون في أواخر التسعينات، بل إن
بعضهم انضم إلى صفوف النظام، مثل عايض القرني الذي تولى دوراً
رسمياً في جمع ثلاثة من الوعاظ المتشددين (وهم ناصر الفهد وعلي
الخضير وأحمد الخالدي) وجعلهم يتراجعون، على شاشة التلفزيون
الوطني، عن فتواهم التي كانت تحث المواطنين السعوديين على عدم
مساعدة السلطات في القبض على جماعات الميليشيات المطاردة إضافة
لسحب اتهامهم للحكومة بالردة عن الإسلام. وهناك آخرون مثل العودة
حافظوا على إبقاء مسافة بينهم وبين نظام الحكم ولكنهم شاركوا في
مؤتمر الحوار الوطني الأول الذي رعاه ولي العهد. خلال الحرب على
العراق عام 2003 رفض متبنو كلا التوجهين السابقين الدعوة إلى
الجهاد وحثوا الشباب السعوديين على تجنب أي أعمال قد تعكر الأمن
الداخلي().
كان هناك توجه ثالث لجماعة الصحة تبناه الحولي اتسم بالنقد
الشديد للنظام- ولكن ضمن حدود – ورفض حضور مؤتمر الحوار الوطني
لمشاركة الشيعة فيه، وتناوب تفهم دوافع الجهاديين تارة وشجب
أعمالهم تارة أخرى.
كان بدء الهجمات الإرهابية في أيار 2003 إيذاناً رئيسياً بإعادة
توحيد صفوف وعاظ جماعة الصحوة سياسياً والانقسام الواضح في صفوف
الإسلامويين، فقد أرغمت الإسلامويين على الانحياز لهذا الطرف أو
ذاك واستعانت بالشواهد الدينية لإدانة موقف الجهاديين إدانة
مطلقة().
أعطى ذلك شرعية دينية لإجراءات النظام بطريقة لم تعد المؤسسة
الشرعية تستطيع توفيرها().
2. مقاومة الإصلاح الاجتماعي
من المهم الإشارة إلى أن العديد من وعاظ جماعة الصحوة قد تخلوا
(حالياً على الأقل) عن الآمال التي راودتهم في أوائل التسعينات
بأن يكونوا طليعة حركة إصلاح سياسي. أخذت مواعظهم تتجنب
المواجهات المباشرة ضد النظام خصوصاً حول مواضيع حساسة مثل
الفساد أو الافتقار للتمثيل أو غياب الحقوق المدنية. عوضاً عن
ذلك يبدو أنهم حريصون للغاية على حماية الوضع القائم من الضغوط
لإدخال إصلاحات اجتماعية، وهو مسعى وجدوا في المؤسسة الدينية
الرسمية حليفاً طبيعياً لهم. على سبيل المثال، بعد أن أوصى
المؤتمر الثاني للحوار الوطني بتحديث المناهج التعليمية "لضمان
بث روح التسامح والاعتدال وتطوير القدرات الإدراكية"، قام 156
مفكراً دينياً، وخصوصاً قضاة وأساتذة جامعات من جماعة الصحوة،
بإصدار بيان يشجبون فيه ذلك باعتباره "يناقض التوجه الذي دعت
إليه الدولة والذي تحتاج إليه أكثر من أي وقت مضى: تعزيز الولاء
لمتطلبات الإيمان"().
على نحو مماثل، اتسم رد وُعاظ جماعة الصحوة بالفزع تجاه اقتراحات
بضرورة إعادة مراجعة أوضاع النساء. وكان حضور لبنى العليان (أغنى
وأبرز سيدة أعمال سعودية) لمؤتمر جدة الاقتصادي دون نقاب، والذي
يشبه كثيراً الصور التي نشرتها جريدة عكاظ فيما بعد وتظهر فيها
27 سيدة مشاركة دون حجاب، إيذاناً بانطلاق ردود فعل عصبية من
المؤسسة الدينية الرسمية وجماعة الصحوة().
وقد دفع انعقاد المؤتمر الثالث للحوار الوطني، المكرس للمرأة،
وعاظ جماعة الصحوة إلى إصدار تحذيرات متكررة، وكانت النتيجة ظهور
مجموعة من النساء الإسلامويات المقربات من وعاظ جماعة الصحوة
وأبرزهن نورة السعد واللواتي دافعن عن الحجاب والفصل بين
الجنسين.
تبدو جماعة الصحوة- في تناقض صارخ مع التسعينات- في موقف دفاعي
وتلوذ بالصمت إزاء الإصلاح السياسي وتعارض التغيير الاجتماعي
بشدة. إلا أن الجماعة لم تكن منسجمة تماماً في موقفها، حيث حذر
العودة من التغييرات في المناهج "بوحي غربي" ولكنه رفض الانضمام
إلى الشخصيات المائة وستة وخمسون الذين اصدروا بيان الشجب، كما
أنه منفتح على الحوار مع الشيعة، وهو موقف يميزه- مع آخرين
عديدين يرون إمكانية حقيقية في التحالف السياسي مع الوسطيين/
الإصلاحيين- عن أعضاء جماعة الصحوة الأكثر تزمتاً().
|