|
الأزمتان السياسية والإقتصادية وتفاقم ثقافة التطرف بعض محفزاته
مصادر العنف السياسي في المملكة
حمزة الحسن
شهدت المملكة خلال العقد الماضي حوادث عنف غير عادية، أو هي نادرة
الحدوث من حيث النوع، ولكنها متصاعدة من حيث العدد والأهداف
والمسببات (انفجار الخبر، انفجار العليا بالرياض، المواجهات المسلّحة
العنيفة في الجنوب، التمرد في السجون، اختطاف الطائرات، اغتيالات
واختطاف ومظاهرات أدّت الى مصادمات، ناهيك عن تصاعد الجريمة المسلّحة
في السرقات والإعتداءات، وتصاعد عدد جرائم القتل وغيرها، إضافة الى
حالة الإنفلات الأمني التي تظهر بين الفينة والأخرى والتي يقوم بها
جمهور من الشباب في مناسبات عامّة "تجمعات كروية مثلاً" أو الشغب
الذي يظهر في وجود تجمعات أمام المؤسسات الحكومية).. كل هذه الأمور
أُعطيت تفسيرات سريعة سطحية، وتمّ تناول بعضها بصورة شخصية. ومن
التفسيرات الملفتة والمتكررة القول بأن هذه الأحداث مستوردة من
الخارج أما بتأثير مباشر منه أو محاكاة له، وهي بهذا تدخل عنصر
التآمر الخارجي على الأمن الداخلي كسبب رئيس لها.
وكما أن هناك خللاً أو نقصاً في تشخيص المشكلة، كذلك في التعاطي مع
حلولها، وأول الحلول المطروحة: الحل الأمني، ولكن هذا الحلّ وحده،
وإن كان ضرورياً، لا يكفي ولا يعالج المشكلة. فهذه الأحداث وقعت في
وجود الشدّة والقسوة وعدم التراخي الأمني، مما يجعل الإعتماد الزائد
على "الحل الأمني" في معالجة الظواهر الإنشقاقية الإجتماعية
والسياسية دون تتبّع الجذور الحقيقية للمشكلات، لا يؤدي على المدى
المنظور الى تباطؤ في مستوى الجريمة، ولا في مستوى العنف من حيث
الحدّة أو النوعية أو الحجم.
هذا المقال يحاول رسم ملامح عامّة لأسباب المشكلة، وآفاق تطوراتها،
والأشكال التي تظهر بها، ووسائل ضبطها قدر ما يتوفر من مساحة مكانية
وزمانية.
محفزات العنف
من الصعب الفصل من حيث الأسباب على الأقل بين العنف السياسي والعنف
الأجتماعي، إذ أن جذورهما تنبثق في كثير من الأحيان من قواسم مشتركة.
ومع أن الجهات الأمنية المسؤولة لا تقدّم تعريفاً خاصاً لما يسمّى بـ
(الجريمة السياسية) الأمر الذي يجعل من استخدامها بشكل شمولي أمراً
ممكناً حسب المسؤول الأمني (المجتهد)، وقد تبدأ بمشاجرة مع شرطي
المرور حول مخالفة سير، مروراً بالتعرّض لمؤسسات الحكومة بالنقد
الكلامي أو الكتابي، والكتابة المنتقدة على الجدران، الى تأسيس
تجمعات معارضة أو ذات رأي دون المعارضة.. وانتهاءً باستخدام العنف
سواء ضد جهاز الدولة مباشرة، أو ضد مصالح أجنبية على أرض المملكة.
مع هذا ينبغي التفريق بين الجريمة السياسية والجريمة العامّة كالسرقة
أو القتل لأسباب شخصية أو الإعتداء على الممتلكات العامة والخاصة.
بيد أن العقاب يختلف من حيث نوع الجريمة، حيث توقع العقوبة الشديدة
على مرتكبي الجريمة السياسية أكثر من غيرها، حسب الجهة التي تتولى
التحقيق، وحسب انتماءات المتهم المناطقية والقبلية والمذهبية.
وفي المجمل يمكن تحديد مصادر العنف في أربعة أسباب رئيسية، هي حسب
التسلسل في الأهمية:
1 ـ سيادة ثقافة التطرّف وعدم التسامح
مواصفات هذه الثقافة، أنها ثقافة أحادية، بمعنى أنها تفترض إمتلاك
الحقيقة المطلقة، وأنها ثقافة إقصائية لمن خالفها، فهي لا تحترم
الرأي المخالف حتى ضمن الدائرة الفكرية الواحدة، وضمن المذهب الواحد.
وهي فوق هذا ثقافة تميل الى العاطفة أكثر من العلمية، وتنهج الى
الشعار والحماسة وإلهاب عواطف الجمهور من أجل حشده وتحريكه، لا من
أجل ترشيده، ولذا فهي تميل الى التحريض، وتميل الى التكفير، وهي
أخيراً لا تفكّر كثيراً في العواقب السلبية، لا في المدى المنظور ولا
البعيد.
لسوء الحظ فإن هذا النوع من التوجه الثقافي موجود لدى الجهاز
الحكومي، ولدى المؤسسة الدينية، ولدى شرائح المجتمع الأخرى التي تفعل
ذات الأمر من جهة الفعل وردّ الفعل.
التعليم يعدّ أهم وسائل الدمج الإجتماعي، وإيصال ثقافة التعايش
والإعتدال؛ ولأن السياسة القائمة تستهدف (الصهر الديني/ المذهبي)
للسكان وليس (الدمج الوطني) الذي يتطلب ثقافة مختلفة، هي فوق
المناطقيات وفوق المذاهب.. لذا، فإن التركيز على فرض الرأي الواحد
يبدأ مع الطفل في المدرسة قبل البيت، ونزعة التطرّف تنمو لديه بالشكل
(القانوني). فمناهج التعليم تولّد أجواء التطرّف وتغذّيه، وقد باعدت
بين المواطنين، وزادت الهوّة بين الجمهور والحكومة، وخرّجت أجيالاً
طائفية بالمعنيين المذهبي والمناطقي. لا المناهج الدينية ولا مناهج
التاريخ بوضعها الحالي، يمكن أن تساهم في جلب ثقافة معتدلة سواء تجاه
الآخر الداخلي كان مواطناً أم حكومة، ولا تجاه الآخر الخارجي أياً
كان تصنيفه السياسي أو الديني.
كيف يمكن لمناهج تعلّم الطلاب منذ نعومة أظفارهم أن الحق المطلق يوجد
عند جهة واحدة، وتعلّمهم تصنيف بعضهم البعض على أسس مذهبية ومناطقية،
وتكفير وتفسيق وتجريم بعضهم لبعض، أن تفضي لاستقرار داخلي ونفسي؟
وكيف يمكن مع تغليب ثقافة مناطقية محددة وتجاهل المناطق الأخرى أن
تسود ثقافة مشتركة تهتم بالقواسم العامّة، وطنية أو دينية؟ إن مناهج
التعليم تقدّم مسلّمات لا تراعي مشاعر مواطنين آخرين، وهي من الحدّة
بحيث أدت الى (انقلاب) على (الدين) وضعف الوازع الديني خاصة بين
الأجيال الجديدة، بل وأدت الى صراعات شارفت على استخدام السلاح.
ذات الثقافة الدينية التي قام عليها بنيان المملكة السياسي الموحّد،
لم تحتمل الرأي الآخر من أتباع المدرسة، فمن يخرج قيد أنملة على
المسلمات والقوالب يخشى على نفسه من التكفير، وقد وصل الأمر بتكفير
رؤوس الدعوة السلفية نفسها. والحكومة نفسها، التي استخدمت السلاح
الديني ضد مخالفيها وبنجاح، واعتمدت مدرسة واحدة لشرعنة ذاتها، هي
نفسها اليوم أصبحت موضع اتهام بالتكفير، وتواجه بدعوات تجيز الخروج
عليها. إن التكفير سلاح ذو حدين يبدأ بالآخر أولاً، وينتهي بالذات،
في عملية تدمير داخلي.
والموضوع الديني ليس مجرد لبوس يستخدم لشرعنة المطامح السياسية،
بمعنى أنه ليس مجرد وسيلة لشرعنة المعارضة أو لشرعنة احتكار السلطة،
وإلباس الطموحات السياسية ثوباً دينياً، بل هو محفّز قوي يمكن
استخدامه للبناء وللتدمير معاً، حسب الفهم الذي يعطى للجمهور. وطبيعة
فهم الثقافة الدينية مجملاً وإن كانت عنصراً مستقلاً بذاته في تحديد
مستوى العنف، إلاّ أنه يتفاعل أيضاً مع العوامل الإجتماعية والسياسية
والإقتصادية الأخرى. والتطرف لا يأتي من المدرسة السلفية، وإن كانت
أكثر من ابتليت به، ففي غياب الإنفتاح السياسي، والإعلامي، وغياب
الحوار العقلاني في أجهزة الإعلام، وتجريم التلاقي والتحاور بين
المختلفين في الآراء الدينية والسياسية، يسهّل بروز وسائل الإحتجاج
العنفي ويشرّعها لدى مختلف الشرائح الإجتماعية.
ليس التعليم وحده مصدر الثقافة الأحادية، بل ما تبثّه أجهزة الإعلام،
التي أصبحت أجهزة غريبة عن مجتمعها، بحيث أن قلّة تعتبر ما تبثّه
ممثلاً لها. فما يبث من مواضيع دينية لا يعني إلا أتباع مدرسة واحدة،
وما يبث من ثقافات هو في الأكثر أقرب الى تراث وتقاليد منطقة بعينها،
والمشاهد في شرق المملكة وغربها خاصّة، يجد الإعلام العربي الخارجي
أقرب اليه والى همومه العامة كعربي وكمسلم وحتى الى همومه الخاصة
منها بقدر ما من الإعلام الرسمي نفسه. فإذا ما تمّ التنكر للثقافات
المتعددة التي يتشكل منها المجتمع، وتمّ الإصرار على ثقافة واحدة،
تكون النتيجة أن ما يسمّى بسلطة الإعلام الرسمي تتبدّد.. باختصار لأن
قسماً كبيراً من المواطنين لا يتابعونها، وبالتالي لا يتأثرون بها،
واليوم هناك الكثيرون (يشفّرون!) أجهزة التلفاز بحيث يحذفون القنوات
الرسمية كلياً وكأنها غير موجودة.
والمسؤولون في المملكة ليس فقط يتحملون المسؤولية الكبرى في هذين
المجالين: التعليم والإعلام، بل هم مسؤولون بشكل مباشر عن ترويج
الثقافة الواحدة التي لا تحترم خصائص المواطنين، وبسلطة القانون،
ويجري التعبير عنها في مختلف مجالات الحياة حتى في البيانات الرسمية.
خذ مثلاً أحداث نجران، فالبيان الرسمي يقول أنه تمّ القبض على
(مشعوذ) الذي هو في الواقع أقرب ما يكون الى زعيم ديني لدى
الإسماعيليين. لم يكن البيان الرسمي لوزارة الداخلية بحاجة الى هذا
التبرير الذي يستفزّ مجموعة غير قليلة من المواطنين، فهناك تبريرات
كثيرة يمكن أن تستخدم. حتى لو كان القائمون على الحكومة يتبنّون
مذهباً بعينه، لا يبدو من المنطقي أن يتهم ما يقرب النصف مليون مواطن
بالشعوذة، وتقتحم مساجدهم، فتنشأ أزمة تصل الى الإحتكام الى السلاح.
حتى لو افترضنا أنهم مشعوذون حسب قناعة المذهب الرسمي وحتى حسب قناعة
القائمين على الجهاز الحكومي، هل هناك من حكمة ما وراء الصدام مع
المواطنين على قاعدة (مذهبية) وإشهار ذلك على الملأ؟
إن الإنحياز الواضح لثقافة مذهبية محددة والطعن في غيرها، وتدريس
الطعون في الكتب المدرسية، والترويج لثقافة غير جامعة وغير وطنية،
يقود الى عنف المسود وعنف السائد على حدّ سواء، وإن اختلفت مبررات كل
منهما. وها نحن اليوم نقف أمام حدّة العصبيات القبليّة والمذهبية
والمناطقية وحتى الفكرية، فهذا علماني ملحد، وهذا أشعري مشرك، وهذا
معتزلي وذاك رافضي، وهذا من الشروق، والآخر حجازي صوفي وهكذا.
حين يزعم إمتلاك حق التكفير للمواطنين، وحق الحجر على عقولهم، وحق
تعليمهم ما لا يرغبون وحق إثارة النعرات والحساسيات، ومن يحتكم الى
ثقافة الحق المطلق، ويحرّض على المخالف، فإنه لا يؤذي (العدو) بل
(نفسه) أيضاً، فالمسألة قد تبدأ بالبعيد، ولا تنتهي بالحكومة، بل
بأتباع الفريق الواحد نفسه، يفعل بهم التعصب تمزيقاً، أو يتآكلون
بالجمود وعدم التطوير في غياب الإجتهاد.
أيضاً من يتقبل العنف وسياسة الإقصاء ضد البعيد، لن يمض به زمن طويل
حتى يصل الأمر اليه، فرداً كان أو جماعة. والمشكلة التي واجهت البلاد
منذ بناء نواتها، أنها قامت على عصبية مذهبية مناطقية، قالت أن الآخر
غير أتباع الدعوة السلفية كافر (وليس مشركاً فحسب) وعلى ذلك الأساس
جرى نشر (الإسلام) الى الحجاز والشرق والجنوب. لم يتغيّر شيء كثير من
ذلك حتى اليوم. والقضية ليست في التكفير فحسب، فـ (السلفيون) ليسوا
أول ولا آخر من كفّر في هذه الأمّة، ولكنهم للحق أكثر من استخدمه من
السابقين واللاحقين. وتكفيرهم ليس بالمعنى النظري كأن تقول هذا كفّر
ذاك وانتهى الأمر عند هذا الحدّ، بل هو تكفير (رسالي) إن صح التعبير،
بمعنى أن هناك حركة دفع تالية لما بعد التكفير، وهو القتل والقسر على
تغيير العقائد، والتمييز في المواطنة، وما أشبه.
وها هي الدولة ومنذ تأسيسها، لم تتغير كثيراً في عقلها الديني/
المذهبي، فلا هي تعترف بحقيقة التعدد المذهبي والثقافي بشكل عام، ولا
هي قادرة على دفع الثمن المتأتي من غياب هذا الإعتراف.. أي العودة
الى القديم، بحروبه ودمائه، الى ما قبل الدولة القطرية. لازال هناك
عدد غير قليل يريد أن (تُقطف رؤوس) الملحدين العلمانيين والروافض
والمتصوفة الذين يقيمون الموالد النبوية في الحجاز، ولم يلبث الأمر
أن وصل الى الحكومة نفسها: هل هي كافرة؟ وإذا كانت كذلك، فما هي
الخطوة التالية؟.
2 ـ غياب قنوات التعبير السياسي والفكري
وهذا يؤدي الى الإحتقان فالإنفجار غير المسؤول. وكذلك غياب القنوات
والأطر والمنظمات الأهليّة التي يمكن لها أن تستوعب بعض الطاقات
وترشدها. خلافاً للسياسة المتّبعة، فإن الخوف الحقيقي يكمن في الأمور
التي لم تُـقَـلْ والتي لم يُعلن عنها، وليس مما يقال ويعبّر عنه في
العلن. الفلسفة المتبعة رسمياً تقول بأن ما يصنّف في خانة (الضلال)
الديني أو السياسي أحرى بالقمع وعدم السماح له بأن يعلن عن نفسه وإن
كان وجوده على الأرض حقيقة واقعة. فالليبراليون، هم ملاحدة علمانيون،
لا يجب أن يسمح لهم حتى بحقّ الرد، ويجري التفتيش وراء ما يكتبون،
ومحاسبة النيات لا الأدلّة الماديّة.. والشيعة روافض كفار، ووجودهم
خطر سياسي وعقائدي محدق في أي موقع أو مؤسسة يعملون فيها، خاصة في
أجهزة الإعلام، فهؤلاء لا حق لهم أيضاً في التعبير. وأنصاف المتدينين
ـ بنظرهم ـ أو المتساهلين في الدين، أو من يمارسون شركيات المولد
النبوي وغيره، فيفترض أيضاً إقصاؤهم.
أما الفلسفة الحكومية في غير ما هو ديني/ مذهبي فيرى أن حرية التعبير
تأتي بالمشاكل، فهي تبدأ بالدائرة الواسعة وتصل الى الدائرة الضيقة،
وهي نقد العائلة المالكة، والإنفتاح يأتي بأفكار التغيير من جهة،
وآراء التسقيط من جهة أخرى لأنها تناقش ما يعتقد أنه مسلمات سياسية،
وإن نقاش أي قضية كفيل بتسقيطها، لأنه يضعها أمام مباضع التشريح، مما
يهدد البناء الفكري التي تقوم عليه شرعية الحكم.
إذا كان هذا التوصيف صحيحاً، فإن النتيجة المنطقية للأمور هي: قلّة
المؤسسات الإعلامية في الأساس وطغيان الإعلام الرسمي؛ تصاعد حدّة
الرقابة على الموضوعين السياسي والديني/ المذهبي/ الفكري؛ إغراق
الصحف بالكتاب المتملقين والمراقبين الأمنيين، وزيادة نشر التافه من
الأمور والقضايا. لكن القضية الأكثر خطراً من هذا هي ليست فقط ما
يستتبع احتكار الإعلام لفئات محددة من حيث الصنف، ولكن انزواء خيرة
العقول وتعطيل حركة الإبداع. وحتى هذا قد لا ينظر له بعض المسؤولين
سلبياً، بل هو خير، فطالما لجأ المثقفون وأصحاب الرأي وانكفأوا على
ذاتهم وعلى حلقاتهم الصغيرة في مجالسهم، فقد تمّ درأ الخطر من
الناحية النظرية. لكن من الناحية العملية، نشأ نتيجة ذلك تيار عريض
يحمل مفاهيم ورؤى مختلفة أقرب الى معاكسة السلطة من أن يكون متوازياً
معها، بشكل لا تستطيع أجهزة التعبير المتاحة التأثير فيه لأنه لا
يستقي رأيه او علمه منها، ولا تستطيع السلطة الأمنية أن تمنع
تأثيراته من التمدد خارج أسوار القلاع والحصون الرقابية.
بعبارة أخرى، هناك عزلة تعاني منها قنوات التعبير المحلية،
والمسؤولون غير قادرين ـ فيما يبدو ـ على إدراك حقيقة أنهم قد خسروا
معركتهم الإعلامية والتوجيهية مع شعبهم. ولأنهم لم يدركوا هذا الأمر،
فإن الفاصلة الذهنية بين المسؤول ورجل الشارع تزداد اتساعاً بصورة لم
تكن مألوفة من قبل، بحيث أنه لم يعد يعرف كيف يفكّر مواطنوه، ولا
نوعية تطلعاتهم وهمومهم، وليس لديه مقياس للرأي العام، ولا مجالاً
حرّاً يمكنهم من خلاله التنبؤ بالتحولات الذهنية التي يمرّون بها.
هناك عالمان مختلفان، تجد ملامح الأول في قنوات التعبير المحلية، في
حين تجد (بعض) ملامح الآخر في مشاركات السعوديين عبر الإنترنت في
المنتديات ودوائر الحوار التي لا سلطة للرقابة الحكومية عليها.
وإذا ما تصاعدت الفاصلة بين الذهنيتين الحكومية والشعبية، فإن لغة
التخاطب والتواصل تكون ضعيفة، وأدوات الضبط الأمني ستكون غير قادرة
على التنبؤ بانفجارات المستقبل. ومن هنا، فإن توسيع قنوات التعبير
الثقافي والإعلامي أضحت ضرورة أمنية، وإن الحكومة بحاجة الى جهد كبير
بل الى جهد مستحيل لإقناع مواطنيها بالتواصل مع أجهزة التعبير
المحلية، لإفراغ ما بجوفهم من أفكار ومشاعر وإحباطات ونقد وربما شتم
أيضاً. فالتعاطي مع المعلوم أخفّ وطأة من التعاطي مع المجهول. إن
الفائدة لا تكمن فقط في تنفيس الإحتقان الداخلي لدى المواطنين، والذي
يتراكم عبر السنين، بل وفي معرفة اتجاهات الرأي العام المحلي وقياس
نبض الشارع وعزل الحصون الثقافية السريّة وإشاعة ثقافة الإعتدال
وتأطيرها، ومكافحة الأحادية الثقافية المتطرفة والتي ستبقى ما بقيت
قنوات التعبير ضيّقة أو معدومة، وما بقيت الأصوات الأخرى المختلفة
مخنوقة مهمّشة.
أما قنوات التعبير السياسي، فهي خطوة لاحقة لحرية التعبير بمعناها
الواسع. فلا يمكن تخيّل انفتاحاً سياسياً ولو كان محدوداً بدون
مقدمات (ليبرالية) على صعيد حرية التعبير، إذ هي المدخل اليها
والضامن لاستمرار وجودها وتطورها (نموذج ذلك الكويت والأردن
والمغرب). بديهي أن حرية التعبير لا تساير بالضرورة الإنفتاح
السياسي، فلا يعني وجود اللبرالية الإعلامية أو جزء منها، ديمقراطية
أو جزءً منها. العادة أن هناك ثلاث خطوات تتخذ على صعيد التحول
السياسي.
الأولى:
يبدأ النظام، أي نظام سياسي، بفك بعض تشبّثه بالسلطة، فتعطى وسائل
الإعلام القائمة بعضاً من الحرية أو قدراً كبيراً منها، بحيث تتمكن
من استيعاب الجزء الأكبر من الهموم الشعبية والطاقات المتعلّمة، وفي
هذه الحالة يتقلّص حجم الرقابة على المطبوعات، وعلى إصدار الصحف
والمجلات، وتفك قيود الحظر على التجمعات السياسية والثقافية، بل
ويطلق سراح المعتقلين (السياسيين) الذين هم في الغالب يقعون تحت
مسمّى (سجناء الضمير)، وفي بعض الدول يتم السماح بتشكيل الأحزاب
السياسية والنقابية، أو يتمّ التغاضي عنها، لأنه لا يمكن منع قيامها
في حال وجود الحريات، إذ أن الوضع يفرض تبلورها حسب الإجتهادات
البارزة في الساحة. أي أن التعبيرات الثقافية تأخذ أشكالاً تنظيمية
سياسية.
الخطوة الثانية،
تدخل البلاد في مرحلة تحول انتقالي نحو تغيير النظام السياسي بشكله
التدريجي، وليس بالصورة الراديكالية، بحيث تقوم الإنتخابات، ويجري
التحول من نظام مستبد الى نظام أكثر حرية. وفي هذه الفترة يجري تعديل
الدستور أو تشكيله إن لم يكن موجوداً، ويتم تشكيل برلمان أو مجلس
شورى منتخب، وتوضع الحدود الفاصلة بين (الشعبي) و (الرسمي)، وتؤطّر
صلاحيات القائمين على الحكم. وهنا قد تقف التحولات عند أعلى هرم
السلطة مع إحالة بعض السلطات الى الجهاز التشريعي. في هذه المرحلة
تكمن الخطورة، إذ قد ينقلب النظام أو بعض أجنحته على التحول السياسي
الحرّ، خاصة إذا ما فشلت التوجهات الديمقراطية الوليدة في تثبيت
أقدامها، ومعالجة المشاكل الإقتصادية والاجتماعية والأمنية (مثال ذلك
انقلاب البشير في السودان).
أما المرحلة الأخيرة، فهي مرحلة ارتفاع الخطر، فمع مرور الزمن تتضاءل
مخاطر الإنقلاب على التحول السياسي، وتتوضح الخطوط السياسية للاعبين،
ويقتنع اللاعبون بها على مدى الزمن وأنها أفضل (الموجود).
في ظل عدم وجود حرية تعبير، لا يتوقع أي انفتاح سياسي في المملكة،
حتى مع وجود (نظام سياسي/ شبه دستور) و (مجلس شورى معيّن) و (نظام
مقاطعات لا مركزي)، حتى إذا افترضنا وجود هذه الأمور ممتازة على
الورق (وهي بنظر العديدين ليست كذلك) فإنها لا تفيد كثيراً، ولا يمكن
تطبيقها، لأنها تفتقد الآلية والإشراف الشعبي، تماماً مثلما هو حاصل
الآن في المملكة وفي غيرها من الدول. حتى مع القول ان هذه المؤسسات
أو المشاريع القائمة يمكن تطويرها، فإن ذلك سيكون مستحيلاً بدون
توسيع قنوات التعبير عن الرأي.
هناك أسئلة ملحّة كثيرة في هذا الشأن، منها: لماذا تعطى أهمية في
الأساس للإنفتاح السياسي كواحد من مجموعة الأدوية لعلاج التأزم
الأمني ونزع فتائل العنف؟ ألا يمكن حل موضوع العنف بوسائل أخرى أقلّ
كلفة من الناحية السياسية؟ لماذا تكون المملكة وحدها بين دول الجزيرة
العربية في آخر ركب التغيير السياسي؟.
من الناحية الفعلية، المملكة هي أقلّ دول الخليج والجزيرة العربية في
تقديم الحدود الدنيا من حق حرية التعبير لمواطنيها، وهي بالتالي
الأقل أيضاً في مجال الحريات السياسية، ويتبع ذلك أنها ـ حسبما نظن ـ
تحتضن مخزوناً هائلاً من التشنّج والعنف لم يجر التعبير عنه بعد إلا
في الحدود الدنيا. يمكن للجهاز الأمني القول بأنه يمكن التعاطي مع
هذا المخزون العنفي ـ إن كان موجوداً بالفعل ـ بوسائل أمنية وقائية
استباقية أو بعد حدوثه، كما هو حاصل الآن. من يعتقد بهذا الحل، إن
كان يراه حلاً وحيداً، يجب أن يدرك بعضاً من الحقائق:
أولاً
ـ لم يعد بالإمكان اليوم إلغاء دور المواطنين في تقرير مصيرهم، عبر
المشاركة السياسية أو على الأقل عبر التأثير على السلطة السياسية
وتوجهاتها. كما لا يمكن بأي حال قتل الطموحات السياسية للنخب (أياً
كان تعريفها) فذلك يستلزم تغيير الخلقة البشرية. أيضاً لا يمكن وقف
الصراع على السلطة ولأمد بعيد بوسائل القمع وحدها، أو عبر غرس قناعات
(الحق الإلهي) أو (حق القوة: أخذناها بالسيف) أو حكاية (ملك الآباء
والأجداد). المفترض: هو تنظيم مشاركة الجمهور، واستيعاب الطموحات،
على الأقل ضمن الحدّ الممكن الذي لا يؤدي الى موت الذئب ولا إفناء
الغنم، أملاً في الوصول الى أكبر قدرٍ من الإستقرار السياسي، الذي
يبعد عن البلاد شبح المفاجآت غير السارّة، ويزيل عن الحكام هاجس
الخوف.
ثانياً
ـ إن التوسّع في استخدام العنف لا يحلّ المشكلة من جذورها، رغم كلفته
من الناحية الإنسانية، إذ لا بد أن يكون العنف متواصلاً زمانياً
وشاملاً مكانياً وحاداً في عمقه، ولا أحسب أن طبقة حاكمة يمكنها
توفير مثل هذا النوع من الحل لفترة طويلة، وقد تمّت تجربة هذا الحلّ
في أماكن عديدة من العالم وفشل، وإلاً لما قامت حكومات وسقطت دول.
وأحسب أن أي حكومة تسعى بالفعل لـ (شرعنة) نفسها باستخدام القدر
الأدنى من العنف ضد جمهورها، إذ قد يغيب عن الذهن أحياناً، حقيقة أن
التوسع في استخدام العنف يؤدي الى نقصان في (شرعية) الحكم. فهو ليس
مؤشراً على عدم الرضا الشعبي فحسب، ولكنه يفقد الحكومة قواعدها
الشعبية، بحيث يصبح تغييرها ضرورة ملحّة. وأقصى ما يفعله العنف
الحكومي أو بالأحرى الحل الأمني هو الاكتساح الظاهري للمشكلة، ولكنه
يعمّقها في الوجدان الشعبي، فإذا ما جاءت أي فرصة انقلب الناس على
(أسيادهم) وبعنف. إن من أهم مقاييس (شرعية) أي حكومة النظر الى حجم
استخدامها للعنف ضد جمهورها ونخبه.
ثالثاً
ـ إن التوسع في استخدام الحل الأمني، يأتي بردّ فعل عنفي مماثل، حيث
تنشط الحركات السريّة، وتتعمّق ثقافة التطرف بعيداً عن أعين السلطات،
وتتجه الأنظار الى الحلول الراديكالية (على شاكلة حلول الإستئصال
الأمني الرسمي) فتغيب عن ساحة المواجهة وجوه الإصلاح ودعوات التدرّج
في التغيير. ومما لا شكّ فيه، أن بعضاً من العنف السائد، يعود في
جذوره الى عنف السلطات الأمنية، والى تيبّس القنوات السياسية التي
تضيق بالآراء والطموحات التي شهدت انتعاشاً غير عادي خلال الخمسة عشر
عاماً الماضية دون أن تلقى لها استجابة رسمية تذكر. ولعلنا نقول بشيء
من الإطمئنان، إن غياب دعوات الإصلاح السياسي على الصعيد الشعبي،
والتي ظهرت أولى آثارها في بداية التسعينات، أمرٌ يدعو الى القلق، لا
بالنظر الى أن تلك الدعوات كانت طارئة أو زوبعة في فنجان، كما يتصور
بعض المحللين، بل لأن العنف ثقافة وممارسة تصاعد منذ ذلك الحين،
الرسمي منه وغير الرسمي. فالقمع قضى على التعبيرات الظاهرية لتلك
الدعوات، او لتلك الحاجة الماسة للتغيير السياسي، ولكنه لم يحل دون
انتشارها وتصاعد الشعور بالحاجة إليها على الصعيد الشعبي.
رابعاً
ـ إن الحلّ الأمني يكون فاعلاً ضمن الإطار القيمي والمعياري لدى
المجتمع، وهذه القيم لم تعد اليوم قادرة على الضبط الإجتماعي للأجيال
الجديدة، التي تشكل أكثر من نصف السكان. فضبط القبيلة عبر شيخها، أو
الشاب والشابة |