إشكاليات الوحدة والإنفصال في المملكة العربية السعودية

الحلّ الديمقراطي ـ الفيدرالي لمعضلة السلطة والمجتمع

 

د.خالد الرشيد

من الواضح تماماً لكلّ من تسنّى له الإطلاع على تاريخ تأسيس المملكة، أن الصراع بين أقاليمها مختلفة الإنتماء والثقافة والتاريخ والخلفيّات الإجتماعية والإقتصادية، إنما كان يدور حول أمر واحد: السلطة وما يتبعها. كان كلّ إقليم من الأقاليم يمتلك خاصيّة من نوع ما.. نقطة قوّة في الساحة السياسيّة.. أو تميّزاً من نوع ما يعوّض نواقص في جوانب أخرى، بحيث جاء تشكيل المملكة من نوع رائع وفريد. إن خصائص الأقاليم مجتمعة تسدّ النقص في كل واحد منها، وتكسب الوحدة القائمة قوّة حقيقيّة في الساحتين الإقليمية والدولـيـّة.

لا يمكن للوحدة القائمة بين الأقاليم أن تبقى في غياب النفط، فقد كانت عائدات النفط (لحمة الكيان السعودي) على حدّ تعبير أكاديمي هارفرد ندّاف سفران. ولا يمكن للمملكة ان تنال مكانة حقيقيّة في العالم الإسلامي بأجمعه في غياب الثقل الديني الذي تمثّله المقدسات الإسلامية في الحجاز. وبالقطع فإن نجداً تمثّل الأداة السياسية الجامعة، وعنصر القوّة العسكري والسياسي في الكيان القائم.. في حين رفد الجنوب مختلف قطاعات الدولة بالعديد من أبنائه.

الخلـل لم يكن في تشكيلة البلاد هذه، بل على العكس فإن تنوعها نقطة قوة للمملكة.  الخلل كان ولايزال في نمط العلاقة بين الأطراف المشكّلة للوحدة. لم تكن العـلاقة ـ بسبب ظـروف نشأة المـملكة ـ علاقة شراكة في الحكم، باعتبار ان البلاد في واقعها تتشكّل من أقليّات مناطقيّة ومذهبيّة.. بل حكمت السيطرة والإستتباع والإستئثار العلاقة بينها وبين مركز الثقل السياسي والعسكري ـ نجد، مما جعل الصراع بينها في عهد الوحدة والدولة القطرية استكمالاً للصراع الذي كان قائماً قبلهما، وإن بصورة مخففة قابلة للتطور نحو الإنفجار باتجاه الإنفصال.

لقد أصبحت نجد تمثل الأكثريّة السياسية في الدولة الجديدة، بل كانت هي الدولة في واقع الأمر، الأمر الذي ولّد شعوراً بالغُبن والحرمان لدى المناطق الأخرى. ظهرت الدولة الوليدة بمظهر المحطم لكل خصوصيات السكان الذاتيّة، حيث أُعلنت الحرب الشعواء على الجميع.. وكأن رجال الحكم يريدون تكرار تجربة التوحيد الفكري والسياسي للقاعدة النجدية، وهي تجربة فريدة ومتميّزة ، ولكن تطبيقها على بقيّة المناطق، دون الإلتفات الى محليتها وظروفها الموضوعية الخاصّة بها هو من السقطات الكبرى في فهم المناطق.

كانت أمام الملك عبد العزيز فرصة تاريخيّة بعد امتداد حكمه الى الحجاز، ليبدأ بعد ان اخذ الإستيلاء على المناطق مداه، بإقرار منهج جامع يحتوي كل الإنشقاقات. لكن نشوة الإنتصار، وتركيبة الحكم القبلـيـّة، وتغليب المصالح المنظورة، حال دون تحقيق ذلك الأمر، واستمرت الحرب الفئويّة عنيفة جامحة، شارك فيها حتى أولئك الذين لا يهمّهم أمر الدين من قريب أو بعيد. لقد استخدمت الطائفيّة والمناطقيّة كوسيلة من وسائل احتكار السلطة والصراع عليها.

التقسيم القائم في البلاد بقدر ما جعل هناك جماعة حاكمة، دفع الى الزاوية الحرجة الجماعات الأخرى، والتي لا يشفع لها وعيها ولا مكانتها ولا كفاءتها في إيقاف الضرر النازل بها، لمجرد كونها تنتمي الى جهة غير حاكمة. إن التنافس أو الصراع القائم بين المناطق هو تنافس في حقيقة الأمر على السلـطة.. وإن بروز الإنتماءات وتعمّقها الشديد، يستهدف توزيعاً عادلاً للسلطة، وللثروة في آن.

لقد أُقصي منذ البدء أهل الجنوب والشرق وشمال نجد ـ حائل ـ كما شمال الحجـاز ـ تبـوك ـ عن السلطة تماماً، ويشعر الحجازيّون أنهم شركاء دونـيّون فيها، ويرون أنّهم يستحقون أكثر مما في أيديهم.

أهم خطوات الحل هي: إعادة توزيع السلطة ـ الشراكة السياسية ـ وتحويل الدولة الى دولة للجميع، وتوسيع إطار العصبيّة بحيث تذيب معها العصبيات الجزئيّة الأخرى بإيجاد عصبيّة وطنيّة تفرض التساوي بين المواطنين، وتفسح المجال للتعبير عن الهويّة أنّى كان شكلها شرط أن لا تتجاوز المحرمات الوطنيّة. هذا الحلّ يبدو صعب المنال في الوقت الحاضر.. إذ أن مجرّد الإعتراف بالحقوق المبدئية للمواطنين لم يتحقق.. فهم غير مسلمين في الأساس من وجهة نظر المذهب الرسمي، وهناك من يدعو بينهم وبشكل دائب الى قتلهم أو قتل بعضهم ونفي الآخرين، ومن المحرّم على أيّ منهم التعبير عن خصائصه.

 

الديمقراطية والوحدة

 

إذا كان توحيد المملكة قد تمّ بطريقة أفضت إلى سيطرة منطقة على مقدرات البلاد فصار من الصعب إعادة عقارب الساعة إلى الوراء لتغيير الطريقة التي تمّت بها عملية التوحيد.. وإذا كان من الصعب أو شبه المستحيل أن تقوم الجهات المسيطرة والمحتكرة بتصحيح أو تعديل الوضع لصالح الوحدة ولصالح الشراكة ولصالح التكافؤ بين المواطنين واندماجهم.. فهل يمكن أن تكون دعوة إلى الديمقراطية حلاً للمعضل بحيث تنقذ المنتفعين من حالة الجشع التي يعيشونها، وتنقذ المملكة من الإنشقاق، وتوفّر لسكان المملكة جميعاً المساواة والعدالة وقدراً معقولاً من الحياة الكريمة في جوانبها الماديّة والمعنوية؟.

ولكن قبل الإجابة على هذا، لماذا لم تنشأ حركة ديمقراطية في السعودية؟. لماذا لم ينشأ إحساس وطني بين السكان ليدافعوا عن وطنهم وعن المظلومين فيه أنى كانت هويتهم؟.

هل الديمقراطية الليبرالية مخيفة لبلد كالسعودية؟ هل حدّا معقولاً منها كالذي نجده في الكويت خطير لأنه يقلّص من احتكار المنتفعين للسلطة، أم لأنه يقود إلى تفكيك البلد كما يعتقده البعض، أم الإثنين معاً؟.

بعض أقطاب الحكم أن السعودية كدولة قد تستمر مع الديكتاتورية والتمييز المناطقي والعرقي والقبلي والطائفي، بأكثر مما يمكنها أن تكونه مع هامش معقول من الديمقراطية والمساواة. وهذا الرأي الميكيافيلليي يتمّ تبنيه على أرض الواقع بغض النظر عن الخلفية التحليلية له.

الديمقراطية قد لا تلعب دوراً توحيدياً مع أنها على الأرجح قادرة على خلق قاعدة ثقافية وطنية مشتركة. هذا من حيث المبدأ. قد يقال وهو صحيح أن المناخ الديمقراطي يوفّر في كثير من الأحيان الأرضية المناسبة لنمو الإنشقاقات حتى في عقر البلدان الديمقراطية الغربية نفسها. وهناك عشرات الأحزاب والجماعات السياسية تدعي الديمقراطية ولكن برامجها تجزيئية طائفية. ولكن مهما كانت الديمقراطية معيبة وناقصة، فإنها تؤدي في الغالب إلى تخفيف الإختلافات الدينية والأثنية، كما هو ملاحظ في الكويت وفي الأردن والمغرب وحتى مصر.

غير أن الحريّة المتأخّرة، والمساواة المتأخّرة، اللتان تأتيان عن غير قناعة وإنما تفادياً للإنشقاق والإنفصال.. إنما يشكلان في الحقيقة حلاً متأخّراً، والحلّ المتأخّر لا يثني مطالب الإستقلال أو تقرير المصير أو الإنفصال والتي تكون قد تجذّرت وترسّخت، فإذا ما جاءتا عدّتا دلالة ضعف للنظام، فيستفاد منها في تحقيق المطالب الأصليّة، ويعتبر الإصرار عليها دلالة نجاح فـ (الحكومة تنازلت). الديمقراطية أو نصفها جيدة الآن في بلد مثل السعودية.. هي حلّ استباقي، ولكنها ليست دواءً ناجعاً بعد أن يتغلغل المرض.. الديمقراطية حينها تكون بما تتضمنه من مبادئ حريات وحقوق بمثابة المسامير التي تدقّ نعش الدولة.

من المستغرب حقاً أن قلة بين المنطقة المسيطرة من زعاماتها وقياداتها وأصحاب الرأي فيها، دعا الى الديمقراطية. فإذا كانت العائلة المالكة لا تريدها فلأنها تقتطع شيئاً من سلطانها، إن لم يكن أمراؤها ينظرون اليها كمهدد لعرشهم، أو في الأقل مقلّص لصلاحياتهم. وإذا كان الوهابيون، المتدينون باعتدال أو بتطرف، لا يريدون الديمقراطية، فلربما وجد لهم بعض العذر أو بعض الحجج، فالديمقراطية بالنسبة لهم كفر وإلحاد، ومخالفة لشريعة الله!

لكن بأيّ حجّة وبأيّ وجه وعذر ترفض بعض النخب اللبرالية في المنطقة المسيطرة المفاهيم الإصلاحية والديمقراطية، كيف يجوز ان ترفض الإنفتاح والمشاركة الشعبية؟.

هناك حجّتان، الأولى والتي يعلن عنها عادة، وهي أن الإنتخابات ستأتي بـ (المتطرفين) الدينيين، والمقصود بهم هنا هم المتطرفون الوهابيون. فالديمقراطية قد تغلّب ـ ضمن المنطقة المسيطرة ـ المتطرف السلفي على اللبرالي أو العلماني المعتدل ضمن جهاز الدولة. وبعبارة أوضح، فإن الديمقراطية بالنسبة لبعض النخب غير السلفية ليست خياراً في الأصل، ولا تدعمها قناعة إذا ما تعارضت مع المصلحة الخاصة.

ومع هذا، لماذا لا يطالب العقائديون الوهابيون بالديمقراطية لتعزيز موقفهم ضدّ من يسمّونهم بـ (العلمانيين)؟ هل السبب أنهم يرون أن الحكم السعودي أكثر إنسانية من الحكم الديمقراطي؟. وهل الحكم الذي يأتي بالمواصفات الوهابية من وراثية وملكية مطلقة يمثّل الإسلام وقيمه؟ أم لأنهم أهل الحل والعقد؟

إذا جئنا للتفصيل، فإن علماء الوهابية فحسب، وأمراء نجد فحسب هم أهل الحل والعقد. لو أزحنا صفة (النجدية) عن العائلة المالكة السعودية، ترى ما الذي يفرقها عن أي حكم في البلاد العربية، ملكياً كان أم جمهورياً؟. لولا صفة (النجدية) ما عدّ العقائديون آل سعود: أمراء! مثلما هم لم يعدّوا علماء الحجاز السنّة وعلماء الشيعة والسنة في الشرق من بين أهل الحل والعقد.

الجوهر هو أن الوهابية السياسية التي تلم هذه الأطراف جميعاً لا تريد شركاء من خارج حدود المنطقة بأي إسم كان، ديمقراطية كانت أو حريّة أو وحدة. إذا كان هناك من تنافس فليكن بين نخبة المنطقة، بغض النظر عن الإيديولوجيا التي لا تستخدم هنا إلا نادراً، ولكن ما أن تطرح الديمقراطية حتى ترى كثيرين يرفضونها. هناك ما يشبه الإتفاق الضمني على أن الحكم شأن عائلي (بالنسبة للعائلة المالكة) وإذا ما توسّع فمناطقي، والديمقراطية توسّعه كثيراً إلى مناطق أخرى، وهذا خط أحمر.

يوم اختلفت النخبة مع جناح من العائلة المالكة، تمّ تأسيس حركة (نجد الفتاة) بغرض إعادة توزيع السلطة بين النخبة المناطقية. ويوم اختلف الوهابيون مع العائلة المالكة في بداية التسعينيات، لم يطلب هؤلاء في (مذكرة النصيحة) بانتخابات أو حريات أو حقوق للمناطق الأخرى مادية أو معنوية، إن كانوا يتعففون عن ذكر الديمقراطية. لم يطلبوا بإزاحة آل سعود باعتبارهم حكاماً فاسدين أو كفاراً بنظر بعضهم. ما طلبوه هو زيادة حصتهم من الحكم ضمن الترويكة الداخلية: أن يكون لهم صوت في الخارجية، وأن تزاد صلاحيات الهيئات، وأن تزاد التخصيصات لنشر المذهب في الخارج والداخل. ولذا لم يطلبوا أحداً من الخارج العقائدي أو المناطقي ليوقع عليها، مع أنه جرى نقاش مثل هذا الأمر في أوساطهم، ولكنهم اعتبروها في نفس الوقت ممثلة لكل الشعب بل ولتطلعاته أيضاً، وفي هذا لم يكونوا من الصادقين.

الديمقراطية بالمنظار المناطقي المتطرف: أداة لتفتيت سلطة النخبة المناطقية. فبالديمقراطية يكون التمثيل الشعبي لسكان المملكة أكثر توازناً في أي برلمان منتخب. وبالديمقراطية والحريات سيبدو المذهب الرسمي والمسلك الديني العنيف منبوذا من الأكثرية، ولن يعامل بالإحترام القائم على الخوف والترهيب. وبالديمقراطية تتعدد المنابر الإعلامية، وتتعدد الآراء، وتتشكّل المصالح، ويستبان الرأي. لن نجد وزارة تحتكر منطقة واحدة أكثر مقاعدها في حين لا يوجد فيها تمثيل لمناطق أخرى. ولن يُسمح لرؤساء المذهب الرسمي باحتكار الفتيا، واحتكار الجامعات الدينية، واحتكار المناهج التعليمية، كما لن يسمح لهم في ظل الحرية التعدّي على حقوق المواطن الأساسية في العبادة والإعتقاد.

الحجّة الثانية هي أن بين النخبة المسيطرة اليوم من لا يرى إمكانية للتراجع عن حق احتكار السلطة، وأن المملكة وصلت إلى وضع سيفضي أي تنازل سياسي من قيادتها إلى تفكيكها، تماماً مثلماً يقول ميكيافيللي، وبالتالي فإن الحل هو الإستمرار في الخطأ لأنه فات أوان إصلاحه.

يقول هؤلاء: بدون ديمقراطية ما كانت تشيكوسلوفاكيا لتصبح دولتين بمثل تلك السرعة. وبدون غلاسنوست غورباتشيف ما كان الإتحاد السوفياتي ليصل إلى الإنهيار التام، ولتأخّر موته على الأقل. االديمقراطية علاج ناجع للأمراض غير المستعصية، أما المستعصي منها فإن الديمقراطية كفيلة بقتل حامله بدل أن تطيل عمره. نعم الديمقراطية خطيرة، إذا كانت دواءً لمريض في أواخر أيامه، ولكن لا يبدو أن ذلك يصدق على السعودية في الوقت الحاضر، مع أن البعض يعتقد ذلك.

أسوأ سيناريو يمكن تخيله، والذي يدور في أذهان قسم من النخبة المسيطرة يقول بأن التحول نحو الديمقراطية يبدأ منذ الخطوة الأولى، حيث تبدأ مع (اللبرلة) حيث الحريات الاعلامية، وحرية تأسيس الأحزاب، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين. لو حدث ذلك سنجد عشرات الصحف والمجلات التي تتحدث باسم الطائفة والمنطقة والقبيلة ولن نجد إلا القليل منها يتحدث عن الوطن والوحدة، وسنجد الأحزاب أيضاً تعبّر عن التقسيمات المناطقية والمذهبية. وحرية النشر ستساعد في تعميق الفواصل بين الجماعات المذهبية والمناطقية، كما ستساعد على توثيق وتعميق الروابط القبلية والمناطقية والمذهبية، وستكون المحفّزات الإقتصادية تابعة لهذا التقسيم، وسيكون التنافس واضحاً على هذه الأسس.

إن اللبرالية الإعلامية من هذا المنظور هي الخطوة الأولى نحو نهاية الدولة وتفككها، وإن حريّة الإعلام وحدها كافية لأن تهزّ الدولة من أعمق أعماقها. إذن لن يكون هناك سوى صوت الوهابية، وإعلام المنطقة الغالبة، وثقافة القبيلة. لن يكون هناك من حزب سوى الحزب المسيطر، ولن تكون هناك من عقيدة سياسية سوى الوهابية السياسية. ترى من يقول بأن ما يخشى منه والذي ذكر في الأسطر السابقة لا يجري على أرض الواقع بصورة مصغّرة على الأقل؟.

ويمضي السيناريو المخيف قائلاً: ما يعقب اللبرلة الإعلامية يأتي تشكيل الدستور وانتخاب برلمان، وإذا ما حدث ضمن أي صورة وطريقة كانت، فإن المنتخَبين لن يكونوا سوى دعاة المناطقية والقبلية والطائفية. لن يكون هناك صوت وطني بالمعنى الحقيقي. الحجازي لن ينتخب غير الحجازي، والنجدي ميوله السياسية معروفة، وكذلك الجنوبي والشرقي والشمالي.

ورغم هذا كله، وحتى لو حدث فإنه ليس مخيفاً كثيراً ، لأنه أولا نتيجة لأخطاء ماضية، وثانياً لأن الانتخابات في أحد أبعادها تعبير عن مصالح فئات وجماعات ومناطق. نعم إن الوطنية تُبنى في المستقبل، ولكنها في الوقت الحالي غائبة، وستبقى غائبة إلى أن توجد الديمقراطية التي تخلق الأسس الأولية لنموّه. أما الدستور، فإذا ما أُقرّ بالإقتراع العام، فإنه لن يكون بالقطع (مناطقياً) وإذا لم يرض الميول والنزعات فيؤطّرها في الوعاء الوطني، ويمنحها الشرعية، فإنه لن يحوز على رضا الجمهور في أي اقتراع شعبي.

النتيجة هي: أن الديمقراطية بما تتضمنه من حق الإنتخاب قد تغري دعاة الإنتماءات الصغرى (الطائفية والقبلية والمناطقية) إلى دغدغة مشاعر الجماهير وتكتيلها ضمن المشروع السياسي، خاصة وأن هناك فوائد ملحوظة وهي أن الإنتخابات تؤدي إلى (تحصيص) منافع الحكم.

وفي الجملة.. ليست العائلة المالكة وحدها من يرفض الديمقراطية والحريات. وليست العقائدية الوهابية من يحرّمها فحسب. بل إن بعض النخب الحديثة المتعلمة أيضاً في المنطقة المسيطرة ترفض الديمقراطية لأنها لا تريد إشراك أحدٍ من خارج منطقتها في السلطة. وإذا كانت هذه القوى وهي فاعلة للغاية، لأنها تدير جهاز الدولة بمجمله، ترفض الديمقراطية، فهل هناك أملٌ بتطبيقها في المستقبل، وهل يجب على القوى المناطقية الأخرى أن تدعو اليها، إلى أن ترغم المنتفعين على قبول ذلك؟ وماذا بيد تلك القوى من أوراق تلعبها حتى تفرض رأيها؟.

مناطق المملكة الأخرى قد تجد في الديمقراطية خشبة إنقاذ لها، وخشبة إنقاذ للوطن المهدد بالتقسيم. هي الحل السلمي غير المكلف المتاح أمامها. وهي الحل الذي يقضي على مبررات الانفصال أو الإستقلال حسبما يقول البعض، لأنهم حسب تعبيرهم، إنما يعودون إلى حالتهم السابقة قبل سيطرة الوهابية السياسية: دول وإمارات مستقلة، كما في الحجاز والجنوب وحتى في الشرق.

لكن هذه المناطق لم يظهر فيها دعوات إلى الحرية والديمقراطية، رغم أنه ظهر بينها حركات سياسية معارضة، وربما مسلحة، طالبت بإسقاط النظام، لكنها لم تتطرق أو لم تفكر في الحل الديمقراطي. اعتمدت المعارضة على القبيلة في جبل القهر في الجنوب، وفي شمال الحجاز حيث ثورة ابن رفادة بين قبيلة بلي، ووجدت معارضة وطنية ومذهبية في كل من الحجاز والأحساء والقطيف، ولكن لم تذكر الديمقراطية كإحدى وسائل الحل.

ليس هناك من تبرير لذلك سوى أن المعارضين يدركون بأن هذا الموضوع لا يتحقق. قال أحدهم: لماذا نطالب بشيء لا يتحقق؟! أمرٌ غريب، أن تعدّ المطالبة بإسقاط النظام مساوية في الصعوبة مع تحقيق الديمقراطية، وتحتاج نفس القدر من التضحيات. أو هي عند البعض لا تتحقّق في وجود آل سعود، ولا في وجود الوهابيين.

بالنسبة لكثيرين، يستحيل للديمقراطية أن تتحقق في ظل الوهابية.. هما عدوان لدودان، لا يعيش أحدهما إلا على رفات الآخر. يمكن للديمقراطية أن تتعايش مع القبيلة، ولكن ليس مع الوهابية السياسية. يمكن أن تجدها أو تتصورها في دول الخليج ومشيخاته، ولكنها في السعودية مستحيلة، أو شبه مستحيلة برأي البعض.

والأدلّة التي تطرح هنا، ليست ضعيفة، وإن كانت غير كافية.. هؤلاء يقولون بأن الوهابية السياسية لا تستطيع الإستمرار في نهجها الإقصائي حتى ولو كانت تمثل أكثرية السكان، فكيف بها وهي تمثل أقليّة منهم، وعليه فإن المستثنون كلياً أو جزئياً سيحتجون ويعارضون وربما يثورون في النهاية، والحل المتوفر هو قمعهم أو وقوع حرب أهليّة.. والوهابية السياسية لا تقبل الديمقراطية هنا لحل هذه المشكلة، بل هي تتظاهر ادّعاءً بأن ليس هناك مشكلة في الأصل فتحتاج إلى حل، ولا تقبل بإشاعة حالة من السلم بين المنتمين اليها وبقية المواطنين في المناطق الأخرى، فهي بحاجة إلى إشاعة توتّر دائم بين أفرادها، بحيث يشعرون دائماً بأنهم في وضع خطر، وأن الجميع ينظر اليهم بعين ملؤها الحقد والحسد، وأن الحذر من بقيّة المواطنين أمرٌ مطلوب لكي تستمرّ حالة الإقصاء وسياسة الإحتكار للسلطة.

الوهابية منذ احتلالها لمناطق البلاد في بداية القرن العشرين الميلادي لم تعش لحظة استرخاء، أو تسالم اجتماعي مع المجموعات السكانية التي أُخضعت لسلطانها واعتبرتها خصماً، فالشعور بالغلَبَة كان محفوفاً بالمخاطر والمنزلقات مما يجعل القيمين على التيار النجدي شديدي التوتر والحساسية من فتح موضوعات مثل التعايش والمساواة والمشاركة.

إن شياع مثل هذا الآراء خطير، بغض النظر عن مقدار صحته أو سقمه.. لأنه يغلق الأبواب أمام التغيير السلمي أو نصف السلمي، ويقفز بالمواطنين المستائين إلى العمل المسلح أو إلى الدعوة إلى الانفصال.

الحل السلمي يكون عبر التحوّل من نظام سياسي إلى آخر، سواء كان ذلك بفعل متغيرات سياسية، أو متغيرات اقتصادية، كأن ينهار الوضع الإقتصادي، أو بهما معاً.. وفي الحالة السعودية لن تحدث بالطبع حالة مثلى أو